الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٥وقال الكلبي فلما وقع بينهم التحاسد والفتن اقتتلوا. فبعث الله جنداً من السماء الدنيا فيهم إبليس، وهو رأسهم. فأمروا أن يهبطوا إلى الأرض فيُجلوا منها الجن بني الجان. فهبطوا فأجلوهم عن وجه الأرض، فألحقوهم بجزائر البحور. وسكن إبليس والجند الذين كانوا معه الأرض، فهان عليهم العمل فيها، وأحبّوا المكث فيها. ثم أحب الله تبارك وتعالى أن يخلق ءادم عليه السلام وذريته، فيكونوا هم عمّارَ الأرض، فقال للملائكة الذين كانوا في الأرض، يعني إبليس وأصحابه، إني جاعلٌ في الأرض خليفة ورافعُكم منها. فوَجَدوا من ذلك وقالوا: أتجعل فيها من يُفسد فيها كما أفسدت الجن، ويسفك الدماء كما سفكوا، ونحن نسبّح بحمدك ونقدس لك؟ قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. وقد علم أنه سيكون من بني آدم من يسبح بحمده ويقدّس له ويطيع أمره. فخلق آدمَ وصوّره جسداً ينظرون إليه ويعجبون منه، ولم يكونوا رأوا فيما خلق الله شيئاً يُشبِهُه.
ذكروا أن إبليس جعل يطوف بآدم قبل أن يُنفخ فيه الروح، فلما رآه أجوف عرف أنه لا يتمالك. ذكر بعضهم أنه جعل يطوف به ويقول: إن كنت أجوف فلي إليك سبيل، وإن لم تكن أجوف فمالي إليك سبيل.
ذكر بعضهم قال: أوّل ما خلق الله في الأرض طير وحوت؛ فجعل الطير يخبر الحوتَ خبرَ السماء، وجعل الحوت يخبر الطيرَ خبرَ الأرض. فلما خلق الله آدم جاء الطير إلى الحوت فقال: لقد خلق الله اليوم خلقاً كذا وكذا. فقال الحوت للطير: فإن كنت صادقاً ليستَنْزِلنَّكَ من السَّماء وليستخرجَنِّي من الماء. قال الكلبي: فأشفق إبليس عدوُّ الله منه وقال: إني لأرى صورة مخلوق سيكون له نبأ. فقال لأصحابه: أرأيتم هذا الذي تروا على خلقه شيئاً من الخلق إن فضِّل عليكم ما تفعلون؟ قالوا: نطيع ربَّنا ونفعل ما يأمرنا به. قال إبليس في نفسه: إن فُضِّل عليَّ لا أطيعه، وإن فضِّلت عليه لأُهلكَنَّه. فلما نفخ الله الروح في آدم جلس فعطس فقال: الحمد لله رب العالمين. فكان أول شيء تكلَّم به. فردّ الله عليه عند ذلك: يرحمك الله، لهذا خلقتك؛ لكي تسبّح باسمي وتقدّس لي. ذكر بعضهم قال: لما نفخ في آدم الروح فعطس فحمد ربه