الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الأول من كتاب الموجز

الجزء ١ · صفحة ٣٦٨

الذي ذكروه في تثبيت العرش على المعقول، وما احتجوا به على ذلك فإنَّ الذين زعموا من المتكلمين أنَّ قوله: (عرش (1) )، إنما هو مثل ومجاز من مجازات العرب، وليس في السماء شيء يقال له عرش، وإنما هو عندهم على معنى قوله: (لقد كاد أن يهد عرشي لولا أن تداركني منه برحمة) وعلى مجرى قول العرب: قد ثل عرش بني فلان، وقد شالت نعامتهم (2) ، وعلى قول الشاعر:

رفعت بني حواء إذ مال عرشهم وذلك مني في صريم مصلل

وعلى قول الشماخ:

ولما رأيت الأمر عرش هوية تسليت حاجات النفوس بشمرا

وقالوا في الكرسي (3) مثل ذلك، وأنشدوا:

كراسي بالأحداث بيض وجوههم كأنهم في الساجيات الكواكب

قد فروا من شيء، وليس في ذلك الشيء الذي فروا منه شيء ينقض عليهم من قولهم شيئاً، فقلنا في هذا: إنَّه لما كان أسفل الأشياء الثرى، وما تحت الثرى،

(1) روي أنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- رُؤي في المنام فقيل ما فعل بك ربك…؟ فقال: "لولا أن تداركني برحمته لثل عرشي".

(2) يقال: شالت نعامته إذا خفَّ وغضب ثمّ سكن، وشالت نعامتهم: إذا تفرقت كلمتهم، أو ذهب عزهم، أو ماتوا، والنعامة: الجماعة، والشول: بقية الماء في الدلو أو السقاء.

(3) الكرسي: في تعارف العامة: اسم لما يقعد عليه، قال: "وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب" (سورة: ص 34)، وهو في الأصل المنسوب إلى الكْرس، أي المتلبد، أي المجتمع، ومنه الكراسة للمتكرس من الأوراق، وكرست البناء فتكرَّس.

قال العجاج:

يا صاح هل تعرف رسماً مكرساً قال: نعم أعرفه، وأبلسا

والكْرس أصل الشيء، يقال: هو قديم الكْرس، وكل مجتمع من الشيء كرس، والكروس المتركُب بعض أجزاء رأسه إلى بعض لكبره، وقوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ (سورة البقرة: 255)، وقد رُوي عن ابن عباس أنَّ الكرسي العلم. وقيل: كرسية ملكه، وقال بعضهم: هو اسم الفلك المحيط بالأفلاك، قال: "ويشهد لذلك ما رُوي: ما السموات السبع في الكرسي إلاَّ كحلقة ملقاة بأرض فلاة". راجع تفسير القرطبي عند تفسير هذه الآية، وتفسير الطبري أيضاً، والمفردات في غريب القرآن.

١١٥ / ٤٦٠