الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٤٢٢قوى معرفتك، وليس يكون المتكلم مستحقاً لاسم الكلام حتى يكون ثاقب النظر، مدركاً للعواقب، عالماً بكل ما عليه وله. ومدار الأمر في هذا على صحة الذهن ثمَّ الطبيعة المناسبة لصناعة الكلام المسهل ذلك عليها، ولا بدّ من كثرة السماع، ومدارسة أهل النصائح من العلماء، وإرادة الله بذلك رأس الأمر كله، وعلى قدر ما ينقص من هذه الأسباب ينقص علم أهل النظر.
وتسأل الجهمية (1) ، ومن قال بقولكم من الروافض (2) في زعمهم أنَّ علم الله محدث، وأنَّه لا يكون أن يعلم الأشياء حتى تكون، وزعموا أنَّ ما دلهم على ذلك أن قالوا: وجدنا الله حكيماً عليماً، ووجدنا الحكيم العليم لن يرسل رسولاً في حاجة إلى من عنده به العلم أنَّه غير قاض لحاجته، لو فعل ذلك لكان عابثاً في إرساله، فلما تبيّن أنَّهم غير مجيبين له علمنا بهذا أنَّه غير عالم بما العباد له عالمون، قالوا فلهذه العلة قلنا: إنَّ علمه محدث، ولهذه العلة التي حكيناها عنهم، وصفوا الله أيضاً جلّ جلاله بالبداء _تعالى الله عن ذلك_، وتعلقوا في وصفهم إياه بالبداء بقوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ (3) ، ويقال لهم: أما ما
(1) أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أنَّ الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أنَّ الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأنَّ الكفر هو الجهل به فقط، وزعم أنَّ علم الله تعالى حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بأنَّه شيء أو حي، أو عالم، أو مريد، وقال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره، وكان جهم يحمل السلاح ويقاتل السلطان، وقتله سلم ابن أحوز المازني في آخر زمان بني مروان. راجع التبصير ص 62، والملل والنحل 1: 86، والفرق بين الفرق 211.
(2) الروافض: مجموعة فرق منهم السبئية، وقد أظهروا بدعتهم في زمان علي _رضي الله عنه_ فقال بعضهم لعلي: أنت الأله فأحرق عليٌّ قوماً منهم، ونفي ابن سبأ إلى ساباط المدائن، ومنهم الإمامية والكيسانية والغلاة. ويرى صاحب كتاب الفرق بين الفرق أنَّ الزيدية من الرافضة؛ والزيدية أتباع زيد بن علي، الباقين على اتباعه (انظر مقالات الإسلاميين 1: 129، وكذلك مروج الذهب 3: 220)، والرافضة الذين كانوا معه ثمَّ تركوه، لأنَّهم طلبوا إليه أن يتبرأ من الشيخيين، فقال: لقد كانا وزيري جدي فلا أتبرأ منهما فرفضوه، وتفرقوا عنه. راجع مروج الذهب 3: 87.
(3) سورة الرعد آية رقم 39.