الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الثاني من كتاب الموجز

الجزء ٢ · صفحة ٥٨

تكون مملوكة له ومربوبة له، بل التي تجاسرت عليها أشنع من هاتين وأفحش منهما، فإذا جوز هاتين قيل له: فينبغي أن تكون مألوهة للعبد، فحينئذ يكون العبد خالقاً لأفعاله، ومالكاً لها، ورباً وإلهاً. فمَن قال: لا خالق غير الله ولا ربّ سواه، وأن لا إله إلاَّ هو كان مخطئاً، فعند ذلك يقال لقائلها: كيف وها هنا من الخالقين والأرباب والآلهة ما لا يحصى، على قياس هذا المذهب. ألا ترون إلى ما أصار هؤلاء القوم خذلان الله عزّ وجلّ إليه من اضطراب الكلمة وتشتيت الأهواء في تقليد الكبراء، فنعيذكم بالله وإيّانا من التورّط في المهلكة، وقد قال الله عزّ وجلّ: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) (1) وقال: (فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) (2) فيمكن على قياس هذا القول أن يرد عليه فيقال: إن الذي من هو دونه أكثر مما خلق؛ لأنّ أفعال خلقه أكثر من خلقه في قولهم، وقال عزّ وجلّ: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ) (3) ، وقال عزّ وجلّ: (أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (4) رداً على مَن أخرج شيئاً من كل الأشياء من أن يكون من خلقه، فأخرج الكلمة في: مخرج العموم (5) ، فمَن ادّعى فيها الخصوص ولم يأت بآية

(1) الآية 3 من سورة فاطر، وتكملة الآية: (يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون).

(2) الآية 11 من سورة لقمان، وتكملة الآية: (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِين). وقد جاءت الآية محرّفة في المطبوعة حيث قال: "أروني" بدلاً من (فأروني).

(3) الآية 40 من سورة فاطر، وتكملة الآية: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَت مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلا غُرُورا).

(4) الآية 16 من سورة الرعد، وتكملة الآية: (وهو الواحد القهار(.

(5) العموم: ضد الخصوص، وهو في اللغة عبارة عن الإحاطة بالأفراد دفعة. وللعموم عند الفلاسفة معنيان: أحدهم مجرد، والآخر مشخص؛ فالعموم بالمعنى المجرد صفة العام من حيث شموله لجميع الأفراد المستغرقة فيه، قال ابن سينا: لو كانت الحيوانية توجب أن لا يقال عليها عموم أو خصوص لم يكن حيوان خاص أو حيوان عام. راجع الشفاء 487 ـ 488.

٢٣٧ / ٤٦٠