نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ١مقدِّمة
الحمد لله القائل: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، والقائل أيضا: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]، سبحانه، جعل من خصائص دينه الكامل الهادي، أَنَّهُ عقيدة وشريعة ومنهاج حياة متكامل الأجزاء، متَّصل الحلقات، لا يمكن في ظلِّه فصل العقيدة عن شؤون الحياة الفكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وبعد:
أثناء دراستي الجامعيَّة للاقتصاد اطَّلعت على آراء وأفكار الغرب وتجاربه في ميدان التنمية والحلول التي وضعها للمشاكل الاقتصاديَّة، وقد كنت أعتقد أنَّ ذلك أنسب السبل لكي تلحق البلدان الإسلاميَّة بركب الحضارة، وتخرج من معضلة التبعيَّة التي ترزح فيها، وتنفض عن نفسها غبار التخلُّف الفكريِّ والمادِّيِّ الذي تعيش فيه.
لكن بعد اطِّلاعي على بعض المراجع في الفكر الإسلاميِّ عامَّة، والفكر الاقتصاديِّ الإسلاميِّ بصفة أخصَّ، تَبَيَّنَ لي أَنِّي على خطأ، فشقاء المسلمين إِنَّمَا يكمن في استيرادهم لأفكار وحلول غيرهم، وأنَّ شفاءهم من جميع أمراضهم إِنَّمَا هو في هدي القرآن الكريم، والسنَّة النبويَّة المطهَّرة؛ لذلك عدت أتمعَّن في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]، وقد كنت أعطيه المفهوم الضيِّق المتبادر للذهن، لكن بعد التمعُّن اتَّسع مفهومه لديَّ، وتيقَّنت أنَّ ما يعاني منه المسلمون اليوم من أزمات لها حلول في الشريعة الإسلاميَّة.
فالأموال تشكِّل العمود الفقريَّ لحياة الإنسان الماديَّة، كما عبَّر عنها القرآن الكريم، بل هي الدم الذي يمدُّ الحياة لجميع أجزاء الجسم، فإذا توقَّف القلب عن ضخِّه توقَّفت الحياة، فيجب أن ينساب بانتظام في دورة كاملة عبر شرايين وأوردة متينة ومحكمة؛ حَتَّى يُؤَدِّي الجسم دوره في حيويَّة ونشاط.
فدورة المال المتمثِّلة في التملُّك والإنتاج، ثُمَّ التوزبع والإنفاق، إِمَّا بالاستثمار