الأسئلة والأجوبة النثرية (نثر فتاوى السيابي، تحقيق البكري) عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

الأسئلة والأجوبة النثرية للبكري

الجزء ١ · صفحة ٨٥

إنّ هذا الاحتقار لا يطاق ولا علاج لهذا الفاتن المتمرّد إلا تذليله بالانتقام، هذا ما ثار في نفس المرأة المفتونة بطبيعة الحال »كما يقال«، وشرعت في تنفيذه أو كادت بأن همّت بالبطش به في ثورة غضبها وهو انتقام معهود من مثلها وممّن دونها في كلّ زمان ومكان وأكثر ما ترويه لنا قضايا المحاكم وصحف الأخبار، وكاد يرد صيالها ويدفعه بمثله وهو قوله: ﴿ وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ ولكنّه رأى من برهان ربّه في سريرته ما هو مصداق قوله ﴿ والله غالب على أمره ﴾ [يوسف: 21] وهي إمّا النبوءة التي تلي الحكم والعلم اللذين أتاه الله إيّاهما بعد بلوغ الأشد وشاهده قوله تعالى: ﴿ قد جاءكم برهان من ربّكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ﴾ [النساء: 174] وإمّا معجزتها كما قال تعالى لموسى في آيتي العصا واليد، ﴿ فذانك برهانان من ربك ﴾ [القصص:32] وإمّا مقدمتها من مقام التصديقية العليا، وهي مراقبته لله تعالى ورؤيته ربّه متجلّيا له ناظرا إليه وفاقا لما قاله أخوه محمّد - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين في تفسير الإحسان »أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك« فيوسف قد رأى هذا البرهان في نفسه لا صورة أبيه متمثّلة في سقف الدار ولا صورة سيّده العزيز في الجدار، ولا صورة ملك يعظه بآيات من القرآن وأمثال هذه الصور التي رسمتها أخيلة بعض رواة التفسير بالمأثور بما لا يدلّ عليه دليل من اللغة ولا من العقل ولا الطبع ولا الشرع، ولم يرو في خبر مرفوع إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أو ما في دونه، وما قلنا هو المتبادر من اللغة ووقائع القصّة ومقتضى ما وصف الله به يوسف في هذا السياق وغيره من السور ولاسيما قوله في أوّلها ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ [يوسف: 22] وما فسّر النبيء - صلى الله عليه وسلم - الإحسان وقوله في تعليله: ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنّه من عبادنا المخلصين ﴾(1) [

(1) - رشيد رضا: تفسير المنار ج12، ص277-279.

٨٥ / ١٣٥