سؤال أهل الذكر19
الجزء ١ · صفحة ٧خروج السائل المنوي منها فعليها في هذه الحالة أن تغتسل كما أن ذلك على الرجل عندما يرى هذا الأمر .
الأمر الثاني هل الجنابة مؤثرة على الصوم أو غير مؤثرة عليه ؟ ذهب أصحابنا وعدد من علماء التابعين وغيرهم إلى أن الجنابة مؤثرة على الصوم ، وذهب جمهور أهل العلم بأن الجنابة لا تؤثر على الصوم .
واستدل أصحابنا ومن قال قولهم بما رواه الإمام الربيع في مسنده من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ، وأخرجه أيضاً مسلم من طريق أبي هريرة نفسه وأشار إليه البخاري وهو أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : من أصبح جنباً أصبح مفطرا . وهذا القول كما ذكرنا قاله جماعة من علماء التابعين .
واستدل الآخرون بما روي من طريق أم سلمة وطريق عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يصبح جنباً ويصوم . وجاء في رواية أخرى أخرجها مسلم وغيره من طريق عائشة رضي الله عنها أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وقال له : يا رسول الله إني أصبح جنباً وأصوم . فقال : وإني أصبح جنباً وأصوم .
ولكن كيف يُجمع الروايتين ؟ أما الذين قالوا بأن الجنابة لا تؤثر على الصوم فإنهم منهم من قال بأن رواية أبي هريرة منسوخة ، ومنهم من قال غير ذلك . وحقيقة الأمر لا يصار إلى النسخ إلا مع وجود الدليل الذي يقتضي النسخ .
وإنما هناك أمران يرجح بهما الاستدلال بحديث أبي هريرة على الاستدلال حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما :
الأمر الأول : أن الجنابة حدث أكبر والصوم عبادة بدنية خالصة ، والعبادات البدنية يشترط لها الطهارة ، منها ما يشترط له الطهارة من الحدثين جميعاً كالصلاة ، ومنها ما يشترط له الطهارة من الحدث الأكبر لأجل أن الحدث الأكبر يمكن أن يتفادى أكثر مما يمكن أن يتفادى الحدث الأصغر فلذلك رُخص في تلبس الإنسان بالحدث الأصغر مع كونه في هذه العبادة وهي عبادة الصيام ، فإن الإنسان لا بد له من أن يتلبس بحدث أصغر ، ولو منع منه لكان ذلك أمراً فيه عسر شديد ، والله تبارك وتعالى يحب التيسير لعباده ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر)(البقرة: من الآية185) ، فلذلك كان الواجب أن يتفادى الحدث الأكبر ، ولذلك لم يصح صيام الحائض لأن الحيض حدث أكبر ، والجنابة حدث أكبر كالحيض فتقاس الجنابة على الحيض ، فالقياس يعزز رواية أبي هريرة .
الأمر الثاني : أن هذا الحديث حديث موجب للحكم ، وهو حديث أبي هريرة ، والحديثان الآخران إنما هما مسقطان للحكم ، والإسقاط إنما هو يتفق مع براءة الأصل ، ووجوب الحكم أمر طارئ على البراءة الأصلية ، وعلى هذا فإذا وجد دليل يثبت حكماً ودليل آخر يقتضي عدم وجوب ذلك