الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٢عن علم رسوله. فقال أبي: هي آية الكرسي. فجمع رسول الله عليه السلام أصابعه الخمسة فلزم بها صدره فقال له: ليهنك العلم يا أبا المنذر. ولم يكن سألهم عما أخبرهم قبل هذا، ولكنه إنما سألهم عن مبلغ علمهم/ كما قال لأبي بن كعب: إنما اسألك عن علمك لا عن علم الله ولا عن علم رسوله. وكان يعجبه عليه السلام من يتأول القرآن من أصحابه كالذي وقع لعمرو بن العاص في قصة التيمم؛ وذلك أنه خرج في سرية كان عليها واليا فأجنب وأراد أن يتيمم فعذله أصحابه فأبى فتيمم وصلى بهم وقال: من أردا منكم أني يصلي فليصل.
فصلى معه بعض أصحابه. فلما قدموا
على رسول الله عليه السلام أخبروه. فقال عليه السلام: من أين علمت هذا يا عمرو؟ فقال: من كتاب الله عز وجل. إني وجدت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾، ووجدت الماء باردا يا رسول الله فتيممت وصليت. فتبسم رسول الله عليه السلام. وما كان ليظهر السرور والتبسم مع ظهور المنكر. وروى عبدالله بن عمر أن رسول الله عليه السلام سأل أصحابه وقد قدم بين يديه جمّار يأكل منه هو وأصحابه. فسألهم عن شجرة طيبة تحمل طيبا/ أصلها ثابت وفرعها في السماء وهي مثل قلب المؤمن. فخاص القوم في شجرة البادية. قال عبدالله بن عمر وقد كنت منتبذا عن القوم ناحية، وخطر في بالي أنها النخلة فمنعني الحياء من رسول الله عليه السلام وهيبة عمر عن أن أتكلم. فقال رسول الله عليه السلام: هي النخلة. فذكرت ذلك لعمر فقال: لو قلتها لكان أحب إليّ من حمر النعم. في مثل هذا كثير. ولكن لا يسوغ القول للأعراب الذين ليس لهم دُربة بالفقه ولكن من علم اللسان دون التفقه في الدين والقرآن والسنة. وذكر أن أعرابيا حضر مجلس ابن عباس وقرأ فيه: ﴿وكنتم على شفا حفر من النار فأنقذكم منها﴾ فقال الأعرابي: وأيم الله لم يُردّهم إليها بعد ما أنقذهم منها. فقال ابن عباس: خذوها من غير فقيه.
وحديث عدي بن حاتم حين/ جعل تحت وساده حبلين أبيض وأسود، وذلك في رمضان يتأول قول الله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود .... ﴾ الآية. فذكر ذلك لرسول الله عليه السلام فقال عليه السلام: إن وساده لعريض. يريد بياض النهار من سواد الليل. وأعجب من هذا وأغرب ما جرى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه مع رسول الله عليه السلام في قصة عبدالله بن أبي وهو في النزاع فجاءه ولده عبدالله بن عبدالله فقال: إن عبدالله في النزاع استغفر له يا رسول الله. فَهَمَّ رسول الله يستغفر له. فقال له عمر: أتستغفر له يا رسول الله وقد نهاك الله أن تستغفرله؟ فقال: يا عمر، إن الله تعالى