العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٨٦

العاصي في الذنب على ثلاثة (1) أوجه: نهي (عنه) (2) أن يرتكبه ونهي عنه أن يحدثه، ونهي عنه أن يريده. ولم يبق لهم إلا الاستطاعة. وجوابهم/ على أصولهم. وقول الجميع إنما نهي عن ارتكابه ولم ينه عن إحداثه ولا اختراعه لأن ذلك ليس إليه، وإنما إحداثه واختراعه إلى الله عز وجل. وأما إرادته وهي تمنّيه وتشهيه فهي من أفعاله فمنهي عنه، وأما إرادة إيجاده أو وجود فليس ذلك إليه.

مسألة

اختلف الناس في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ فقال قوم: الأمر بالشيء نهي عن ضده، وقصروه على الواجب لئلا يقع النهي عن ضده الأمر المندوب إليه.

وقال بعضهم: الأمر بالشيء أمر به من وجه، والنهي عن الشء نهي عنه من وجه آخر غير وجه الأمر به. فالذي يقول إن للأمر صيغة وللنهي صيغة، والذي يجعل الأمر بالشيء نهيا عن ضده، فلا يصح ذلك إلا من جهة المعنى لا من نفس اللفظ.

وقالت القدرية: لا يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده، ولا النهي عن الشيء أمرا بضده البتة. والقول الأول أصح، وهو قول أبي الربيع سليمان/ بن يخلف. وذلك أن المأمور بالشيء لا يخلو (1) أن يوجب عليه ضده، أو يندب إليه، أو يباح له، أو ينهى عنه. فمحال أن يوجب عليه ضده، ما أُمر به فكذلك وإن أبيح له ضده ما أُمر به سقط فائدة الأمر، ولم يبق إلاّ أنه نهي عن ضده. فإن كان المأمور به ذا أضداد دخلت (تلك) (2) الأضداد كلها في النهي واستدلوا هم أيضا بأن لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان العالم بالشيء جاهلا لضده؛ لأن العلم والجهل ضدان، والأمر والنهي ضدان، والعالم والجاهل بمثابة المأمور والمنهي، ويكون القادر على (3) الشيء عاجزا عن ضده، وكذلك لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان نهيا عن جميع اضداده. ولو كان النهي عن الشيء أمرا بضده لكان

أمرا لجميع اضداده وقد نجد الرجل ينهى ألا يدخل الدار وليس ذلك بأمر أن يدخل جميع الدور/ وينهى أن يأكل لحم الخنزير