وسقط القناع لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٠٠… هذا، وأتى الطحان بشبهة ثانية رددنا عليها أيضاً، إذ جاء في كلامه بأنه يسلم أن الإدراك بمعنى الرؤية، ولكن هذا النفي خاص بهذه الحياة الدنيا، وقد سبق أن أجبت على هذا الكلام نفسه في كتابنا "الحق الدامغ" إجابة لم يستطع الطحان أن ينقضها بشيء، وإنما اكتفى بمثل هذه الدندنة الفارغة، فقد جاء في الرد: (وأما الاعتراض الثالث -وهو أن النفي المطلق لا يدل على الدوام- فهو مرفوض لغة وعرفاً وشرعاً، فإن كل أحد يدرك أن قول القائل: لا أشرب اللبن. دال على نفي الشرب في أي وقت من الأوقات، ولولا ذلك ما حنث من حلف أنه لا يزني ولا يسرق ولا يشرب الخمر ولا يقتل النفس المحرمة بغير حق إذا أتى أي شيء من ذلك في مستقبل الزمان بناءً على أن النفي المطلق غير شامل للأزمنة.
… ومما لا خلاف فيه أن للنهي حكم النفي ولئن ساغ هذا القول لم يبق أمر محجور، فيسوغ للناس أن يأكلوا الربا الذي حرمه الله في كتابه، وأن يقتلوا النفس المحرمة بغير حق، وأن يرتكبوا كل فساد في الأرض، ويأتوا كل منهي في الإسلام متذرعين إلى ذلك كله بدعوى أن النهي غير شامل لعموم الأزمنة.
… وما تقدم تقريره من أن هذه الآية -كسائر الآيات التي انتظمت في سلكها -سيقت مساق مدحه تعالى مبطل لهذه الدعوى، إذ لو حمل النفي فيها على الدار الدنيا دون الآخرة لجاز مثله في نظائرها نحو قوله تعالى: ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم﴾(1) وقوله: ﴿ ما اتخذ صاحبة ولا ولداً ﴾(2) وقوله: ﴿ لم يلد ولم يولد - ولم يكن له كفواً أحد ﴾(3) وقوله: ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾(4) ولجاز عليه تعالى في الآخرة ما كان ممتنعاً عليه في الدنيا من السنة والنوم، والصاحبة والولد، والكفء والند، والجور والظلم، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً.