المسألة الفلكية عند قطب الأيمة (قراءة في المضمون والمنهج)
الجزء ١ · صفحة ٤٦١المسألة الفلكية عند قطب الأيمة (قراءة في المضمون والمنهج)
أ/ محمد حدبون
قسم العلوم الإسلامية
المركز الجامعي غرداية
توطئة
من أعراض النكوص الحضاريِّ للمسلمين نشوءُ فجوةٍ مفتعلة بين المؤرخِّين وعلومٍ هي أساسيَّةٌ في صناعة الحياة وبناءِ الحضارة، وترسيخِ العقيدة، وبسط الشريعة؛ تلكم التي اهتمت بالفلك والطبِّ والعمران، ولعلَّ الورقات المعدودة في فهارس العديد من المكتبات لشاهد على هذا الجفاء. ورغبةً في إعادة التوازن لمفهوم العلم الصحيح، الذي لم يفرِّق بين الدنيا والآخرة، ولم يرتِّب العلومَ من حيث الشرف إلاّ من نظرة قاصرة، نلجُ إلى جانبٍ مهمٍّ من اهتمامات القطب، هو "المسألة الفلكية عند قطب الأيمة".
وتتبوأ جهودُ القطب في تقريب المسألة الفلكيَّة وترسيخ مبادئ هذا الفنِّ لعامة الناس دورا بارزا في حركة التأليف، من خلال ما أفرده القطب من تأليف مستقل متخصِّص، أو الإشارات والنكت التي حوتها كتبُ التفسير والعقيدة والفقه، والتي يمكن تجميعها وتنسيقها؛ ولو أحصينا ما ورد من مصطلح فلكيٍّ فيما كتبه القطب، لخرجنا بقاموس فلكي معتبَر، ما بين أسماء للنجوم والكواكب، والظواهر والأحداث الفلكية، والأعلام والمناطق.
وتهدف الورقة إلى إلقاء الضوء على الجوانب الخفية لاهتمامات القطب بعلم الفلك، تمهيدا لدرس المادة الخام وتحليلها وكشف معالم منهجها، وذلك ما سيكشف لا محالة عن مستوى لم يقدَّر حق قدره، لعلوم هُجرت أو عدَّت من الدرجة الثانية؛ وتلك نظرة قاصرة وآفة مفتعلة، نأى عنه القطب، وتحمل عن منطقته وزمنه عبء تذليل هذه العلم إقامة للدين وما به قوام الحياة.
ويَعترفُ المتابِعُ المتفحِّصُ لمؤلَّفات قطبِ الأيمة الشيخ امحمد بن يوسف أطفيش بالموسوعيَّةِ في التأليف، والتبحُّرِ في صنوف العلوم؛ فقد تعدَّدت مجالاتُ تأليفِهِ وتنوعَّت، واتسعت ميادينُ اهتمامه وتشعَّبت، حتى استحق القطبُ لقبَ مجدِّدَ المذهب الإباضيِّ بجدارةٍ، وبات "مرجِعا أساسيًّا من مراجع الفكر الإباضيِّ، تُعرِب أعمالُه عن حقيقة مبادئِ هذا المذهب"؛(1)
(1) ينظر: مصطفى وينتن: آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية؛ نشر جمعية التراث، ط1، 1996، ص:08.