علاقات القطب اطفيش من خلال مراسلاته ورحلاته عبد الرحمان حاج إبراهيم

علاقات القطب اطفيش من خلال مراسلاته ورحلاته

الجزء ١ · صفحة ١١٥

علاقات القطب اطفيش من خلال مراسلاته ورحلاته

أ/ عبد الرحمان حاج إبراهيم قسم الحقوق

أ/ حاج أحمد كروم باحث

المركز الجامعي غرداية

تمهيد

إن العالم الراسخ في العلم لا تكون دائرة نشاطه محدودة بل إنها تكون واسعة الآمال، وبعيدة الأهداف، تشتمل أقصى ما يمكن من خلق الله تعالى حتى لا تصاب بالشلل والفشل في مهدها.

وإن إحساسه بالمسؤولية الملقاة على عاتقه من وجوب التبليغ ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجلب المصالح ودرء المفاسد بالعلم الذي يعتقده هو الصواب تفرض عليه أن يتجاوز الحواجز الوهمية التي تقف عائقا أمام غيره من الناس.

قال الله تعالى: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون» [آل عمران: 104]. والعالم مكلف أن يتخذ لذلك مختلف الأساليب الممكنة والوسائل المساعدة على تحقيق هذه الأهداف النبيلة.

ومن هذه الوسائل المتاحة لهم الرحلات خارج بلدهم والمراسلات داخل بلدهم أو خارج محيطهم ونحاول من خلال المداخلة أن نبين مدى إشغال القطب لهاتين الوسيلتين وما هي النتائج الإيجابية التي حققها في مختلف مجالات العلم والعمل.

المبحث الأول: رحلاته:

لم تسجل عن القطب اطفيش رحلات كثيرة إلا رحلتين إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج، وما زاره من خلال الرحلة من معالم في الطريق، وأما باقي الرحلات فهي رحلات محلية لم تتعد مدينة ورقلة جنوبا ومدينة بريان شمالا.

المطلب الأول: رحلات محلية: لقد كان القطب اطفيش يقوم برحلات علمية دعوية إلى مختلف مدن وادي ميزاب بمنطقة غرداية في جنوب الجزائر وهذه الرحلات يرعاها طلبته في هذه المدن والقرى .. نذكر منها ما يلي:

1 - مدينة بريان: في سنة 1272هـ/1855م قام القطب برحلة إلى مدينة بريان وحضر فيها احتفالات أهلها بالمولد النبوي الشريف. وخلال أوقات فراغه من الإجابة على أسئلة الناس وفتواهم كانت همته قد نشطت في تأليف كتاب «تحفة أهل بريان» في علم الميراث وعندما رجع إلى معهده في بني يزقن شفعه بكتاب ثان سماه «توأم تحفة أهل بريان» فطبع الكتابان بعنوان: «التحفة والتوأم» في علم الفرائض ونقل المحقق الشيخ محمد بن أبي بكر حفار رحمه الله قوله: «إني لما رجعت من بريان صفا الوقت عن الاشتغال فظهر لي أن أصنف في الإرث كتابا وأسميه توأما لأني قد صنفت مدة إقامتي ببريان كتاب موجز في الإرث وسميته «تحفة أهل بريان» وأذكر في التوأم ما لم أذكر في التحفة وبعض ما ذكرته فيها(1). والله أعلم».

وكان الشيخ اطفيش يخلفه في التدريس أحد تلامذته الكبار أثناء غيابه في إحدى هذه الرحلات. قال الشيخ أبو اليقظان في ترجمة الشيخ سليمان مطهري رحمهم الله: «وقد أخذت عنه دروسا من الجزء 1 من النيل في شوال 1325هـ ريثما يرجع الشيخ اطفيش من بريان»(2) اهـ.

2 - القرارة: كانت للشيخ رحلات إلى القرارة مع تلاميذه يقول الشيخ أبو اليقظان: «ورافقته في زيارته لبريان والقرارة»(3).

وكان القطب اطفيش يقيم في مدينة بريان والقرارة شهرا في الخريف وشهرا في الربيع. لكن الاستعمار الفرنسي يمنعه من هذه الرحلات لأنه يبعث النهضة العلمية في النفوس وينفر الاستعمار من القلوب .. فاشترى له أعيان هاتين المدينتين نخيلا ليملكها هناك فإذا منعه الاستعمار يظهر لهم عقد الأرض وأنه ذاهب إلى رعاية نخيله سواء بالتأبير في الربيع أو لجني التمر في الخريف فيطلق سراحه.

وعند وصوله بريان أو القرارة فإنه يستقبل بحفاوة بالغة تليق بمقامه كعالم في الدين .. فينزل في مقر يخصص له مع تلاميذه. ومنزل ثان يُجهّز لخلوة الشيخ مع التحقيق والتأليف .. والناس يتنافسون في إكرامهم .. والشيخ يوزع يومه بين الدعوة إلى الله في المسجد وإجابة أسئلة الناس وإصلاح ذات البين والتأليف .. وعندما ينتهي من مجلس الرجال يتحول إلى مجلس النساء تحت إشراف حلقة العزابة وحلقة تيمسيريدين(4).

3 - مدينة العطف وما جاورها: في مدن وادي ميزاب لا يتحرك كثيرا إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك من إصلاح ذات البين أو حضور مناسبة دينية محلية، فمثلا يذكر علماؤنا أن الشيخ زار مدينة العطف وفي منطقة أولاوال ضبط قبلة المصلى هناك.

وأما في مدينة مليكة فإنه كان يزورها يتعلم علم الفلك من عالم هناك كان يتقنه في برج عال ببساتين مليكة.

4 - مدينة وارجلان: في سنة 1320هـ/1902 زار القطب اطفيش مدينة ورقلة واستقبله أهلها بحفاوة عظيمة ونزل ضيفا معززا مكرما عند أعيان البلد فعقد لهم مجالس دعوية ومجالس علمية يجيب عن أسئلة الناس ورحب به المالكية والإباضية فأجروا له الخيل والبارود وكان قد زار آثار الصالحين في هذا البلد الأمين في مدينة سدراته.

وبالمناسبة أنشد الشيخ قصيدة يصف فيها هذه المشاهد في جميع مراحل الرحلة المباركة. وعندما رجع من هذه الرحلة تلقاه الشيخ الحاج عمر بن حمو بكلي رحمه الله ومجموعة من رجال الخير والصلاح فأكرموه إكراما مجيدا.

ومطلع القصيدة المذكورة هي:

قضى الله مرسل البشير النذير لنا سفرا سهلا ولو لضرير

إلى أن قال:

وسرنا على الإكرام بعد ثلاثة إذا ور?لى تزهو كأرض سدير(5)

ثم قال:

ولكن تلقانا أهل العطف إذ هم هم الناس طرا من فتى وكبير

بخيمة قطن والطعام الملون وأشربة صفت ووجه سفير

المطلب الثاني: رحلات وطنية:

وأما رحلاته الوطنية فإنها كانت محدودة جدا، حيث شملت المدن التي مر بها إلى البقاع المقدسة مرتين نذكر منها: مدينة الأغواط ومدينة الجلفة وبوسعادة، وفي هذه المدينة زار زاوية الهامل ومعهد الهاملي وألقى دروسا توجيهية للطلاب والمدرسين(6). ولمدية والبليدة والجزائر العاصمة، كما مر في هذه الرحلات بمدينة برج بوعريريج ومدينة قسنطينة ومدينة عنابة وقالمة وباتنة وبسكرة وتقرت .. وفي جميع هذه المدن كان الأعيان والعلماء يستقبلونه بحفاوة بالغة ويعقدون معه مجالس للأسئلة والفتوى، وكان يلقي دروسا توجيهية تستنهض الهمم وتحذر من الاستعمار.

المطلب الثالث: رحلات دولية:

وهي تنحصر في رحلتين قام بهما إلى الحجاز لأداء فريضة الحج .. فقد جاور في رحلته الأولى ودرس في الحرم المكي ولم يجاور في رحلته الثانية ولكنه ألقى دروسا في الحرم المدني في الروضة الشريفة.

1 - الرحلة الحجازية الأولى: وقعت سنة 1290هـ/1873م. وفيها مكث عاما كاملا مجاورا

(1) - القطب اطفيش: التوأم ص1

(2) - أبو اليقظان: ملحق السير ص

(3) - أبو اليقظان: ملحق السير ص 165

(4) - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة ج1 ص 340.

(5) - سليمان بومعقل: مجلة أنوار الفرقان ع2 ص 20 والقصيدة مخطوطة (نسخة مخطوطة)

(6) - ممد علي دبوز/ نهضة الجزائر الحديثة ج1 ص 351، وفي ص 70 يقول الدبوز: «وكان الشيخ محمد بن أبي القاسم شيخ الزاوية يكن للقطب أعظم الود ويجل أعظم الإجلال ويكبر عبقريته العلمية، ويعتني كل الاعتناء بتآليفه»

١ / ١٢