جغرافيا جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢٣تقيم ساكنة من المزارعين النشيطين بعدة قرى. ولا زالت المنطقة برمتها تستفيد من 250 ملم من المياه سنوياً. في جنوب مطماطة، يرتفع الجبل وتشتد حدة الانحدار. أما المشهد العام فجاف وموحش جداً. ولا زالت هناك قرى معلقة في خواصر الجرف الجذب، غير أن معظمها تتفرق في التلال المتفاوتة في درجة جفافها والمغروسة على أرضها أشجار الزيتون وهي مشرئبة حتى جنوب فم تطاوين. غير أنه بعد هذه النقطة يبتعد الانحدار أكثر فأكثر من البحر ليظهر في هيئة غائرة بمنأى تقريباًَ من الرياح الماطرة؛ ومن جهة أخرى، نلاحظ كيف أن "التلال بمقدمة الجبل" اختفت كليةً تقريباً. ولا تشهد مرتفعات جبل أبيوض سوى 100 ملم من التساقطات سنويا، وهي المعروفة بتصحرها المطلق، وهو ما لا يبهج أية بلدة.
يبدأ جبل جهة طرابلس كامتداد لجبل نفوسة بعد اجتياز الحدود الفاصلة بين الدهيبات ووازّن. يتيح له تموقعه قبالة البحر وانكماش الجفارة تساقطات مطرية متصاعدة من الغرب في اتجاه الشرق.
لا زالت نفوسة الغربية منطقة شبه صحراوية بحكم مناخها وغطائها النباتي، غير أن أولى البلدات فيها تقع بالقرب من العيون. التجمعات السكانية تتكاثر كلما اتجهنا ناحية الشرق، في الوقت نفسه الذي ترتفع فيه درجة الرطوبة وتمتد الزراعات المتوسطية. لا تبلغ نسبة التساقطات ذروتها إلا في مرتفعات غريان حيث تتراوح ما بين 300 و350 ملم، في بعض المناطق ثمة العديد من البلدات الكهفية، متناثرة هنا وهناك وسط حقول من أشجار الزيتون الرائعة. تحتفظ التساقطات على النسبة نفسها في جبلي ترهونة ومسلاتة. لكن، بينما الأول خالٍ تماماً من الديار والأشجار، بعد أن خربتها ومسحتها من الخريطة قبائل بدوية تعيش فيه منذ قرون، فإن الأول لا زال يحتفظ ببلداته البيضاء المتخفية بالكاد وسط أشجار زيتون جميلة. إنه البلد الخلفي الغني الذي وصفه معاصرو لبدة (العصر الروماني) المزدهرة في زمانها.