جغرافيا جبل نفوسة: دراسة ميدانية في الجغرافيا الطبيعية والبشرية جون ديبوا

جغرافيا جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ٢٩٣

نبدأ بمساءلة الأنقاض "القريبة" من القرى الحالية التي لا زال سكانها حتى اليوم يحتفظون بذكريات وروايات. من شأنها أن تكشف لنا عن العديد من تنقلات القرى. ذلك أن هذه المشكلة تطرح في علاقة مع القرب من هذه الأنقاض، غير أنها غير قابلة للحل إلا بمساعدة الساكن التي ينقل فيها الآباء للأبناء بعض المعطيات عن ماضيهم، تختلط بها حكايات يسهل وضعها جانباً. فأهل الجبل هنا لا يتوفرون على الخيال الخصب الذي يتوفر عليه "العرب" وهم من كبار الرحل، كما أن عبادة الماضي والأطلال هو بالنسبة إليهم عنصر تماسك وقوة. وتؤكد رسوم الملكية القديمة التي تتضمن أحياناً تفاصيل عن الوضع القديم للمنطقة دقة ما لا زالو يحتفظون به من ذكريات. واثق أن دراسة دقيقة لهذه الرسوم كفيلة بسد فراغات المعطيات التي تتوفر عليها حول ماضي النفوسيين.

1- نزوح القرى باتجاه مواقع محصنة

لأسباب أمنية شهد السكن تطوراً ابتداءاً من القرن 11 إذ انطلقت معظم القرى بحثاً عن موقع جاثم ومحصن. فالتجمعات السكنية المجاورة للعيون على سفوح الوديان تنقلت إلى الأعلى، أما الأخرى المتناثرة على الهضبة (وهي أكثر عدداً) فقد تنقلت في اتجاه أفقي، والنوع الثالث شهد تطوراً أعقد ناتج عن التركيب بين هاتين الحركتين.

تنقلات نحو الأعلى : صعود القرى القديمة المتواجدة بالسفح كان دائماً ضعيفاً جداً نظراً لتواجد معظمها بالقرب من العيون، فماء هذه الأخيرة يرشح تحت الكلس الطوروني أو أسفل منه بقليل، لكنه نادراً ما يرشح أبعد من 60 متراً تحت سطح الأحراش التي تعلوه. صحيح أن التنقلات تتخذ شكلاً مائلاً افقياً بالكامل.

٢٩٣ / ٣٩٩