جغرافيا جبل نفوسة: دراسة ميدانية في الجغرافيا الطبيعية والبشرية جون ديبوا

جغرافيا جبل نفوسة

الجزء ١ · صفحة ٣٣٤

لا زال الجبل مكتظاً بساكنته وهذا الاكتظاظ هو الذي فرض عليها الجمع بين الاقتصاد الجنبي للجبل والاستغلال المتزايد للمراعي وأراضي الحرث في الظهر وفي شريط متنوع بالجفارة. غير أن نفوسة كانت أكثر اكتظاظاً في الماضي، ونتساءل كيف كانوا السكان يعيشون فيها حتى ولو افترضنا أنهم يستغلون خيرات الجبل استغلالاً عقلانياً ومكثفاً. لا يختلف عيشهم بالأمس عن عيشهم اليوم بلا أدنى شك. فقد كان الظهر والسهل ملحقتان ضروريتان للجبل. فالرعاة العارفون بأدق تفاصيل السهوب الشبه صحراوية للظهر والقبلة يعلمون جيداً بأن عدداً كبيراً من الصهاريج وبعض الآبار المتداعية تعود إلى تاريخ قديم لا يستطيعون تحديده وتشهد على الإستغلال الكلي للمراعي. هذا من جهة ومن جهة أخرى فنحن نعلم أن أرض النفوسيين تمتد على مستوى السهل حتى الساحل قبل القرن الحادي عشر، كما أن للجفارة أيضاً صهاريجها وآبارها المتداعية أو المغطاة بأكوام من الرمل، والتي تدل مرة أخرى على أحسن استغلال لبلد ضعيف، غير أنه قابل للاستعمال والاستغلال في كل الأحوال.. لم يكن بامكان الجبل أن يكتفي يوماً بما لديه، فقد احتاج دوماً إلى إلحاق أو استتباع أجزاء من الظهر والجفارة المترامية الأطراف والكثيرة الساكنة.

كشفت لنا دراسة الأنقاض كذلك أنه إذا كان الجبل يتوفر على الكثير من البلدات والقرى الصغيرة مقارنة مع ما يتوفر عليه اليوم فإن السكن المتجمع كان دائماً بالأمس واليوم، بمثابة القاعدة الثابتة، وهو ما يعنيان الأسباب وراء ذلك لا زالت فاعلة ومستمرة. من الوارد جداً أن القرب من السهوب والصحاري المأهولة بالرحل خالق لحالة من الهلع في هذا الملاذ الجنوبي للحياة القروية.

٣٣٤ / ٣٩٩