الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٧٥ولا تجوز عبارةُ العينِ على الله تعالى. وأمَّا النفسُ فقد قال الله تعالى: ?ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ? [آل عمران:28] أي إيَّاهُ، وقيل عقُوبَتَه. والعينُ العقوبةُ، يُقال: أصابَتكَ عينٌ من عُيونِ اللهِ، والعينُ عينُ الشمسِ، والعينُ الحفظُ. إلى أن قال: وأمَّا قولُهُ تعالى ?وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ? [طه:39] قيل: عن ابنِ عبَّاس معناهُ لتُربَّى بكلاءتِي. وقال غيرُه بحفظِي وعلمي. وحكى عن المفضل قال: لتغذَّى وتُربَّى بمرأى منِّي لا أَكِلُكَ إلَى غيري. وكذلك قوله: ?تَجْرِي بَأَعْيُنِِنَا? [القمر:14] وقوله: ?وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا? [الطور:48]، كلُّ هذا يعني به الحفظ والمشاهدة، لأنَّ الأشياء كلَّها بنظر الله وحفظِه على الإحاطةِ بها لا على معنى الجارحة. فإذا كانت العينُ تحتملُ جميعَ ما ذكرنا فلِمَ حمَلَت المشبِّهةُ العينَ المذكورةَ في آى القرآن على الجارحةِ دون غيرِها قاتلهم الله أنَّى يؤفكون؟ أو لا يعلمون أنَّ عينَ الجارحةِ لابدَّ لها من وجهٍ ولابدَّ للوجه من رأسٍ، ولابدَّ للرأس من بدنٍ، والبدنُ محدودٌ مؤلَّفٌ يحتاج إلى مُحدِّد ومؤلِّف، تعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. انتهى باختصار حذف غالب ا لشواهد.
وقال في محلٍّ آخر: ومن ذلك قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ?تَجْرِي بَأَعْيُنِنَا? أراد أنَّ سفينةَ نوح صلواتُ الله عليه تجري بحفظِنا، أي تجري وهي مِنَّا بالمكان المحفوظِ بالكلاءةِ والحفظِ والرعاية، يقال: إنَّ فلانًا بمرأى من الملك ومسمَعٍ إذا كان بحيث تحوطُه عنايتُه وتكتنفُه رعايتُه. وزعم بعضُهم أنَّ قولَه ?تَجْرِي بَأَعْيُنِنَا? أنَّ المراد بالأعيُن في هذه الآية الأعيُن التي انفجَرَت من الأرض وأضيفت إلى الله تعالى مُلكًا، وهذا بعيدٌ. والقولُ الأوِّل أسوغُ، ألا ترى إلى قولِه تعالى: ?وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا? أي بِحِفظِنَا خلافًا لقولهم هذا. وكذلك قولُه لموسى عليه السلام: ?وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي? أي ولتُرَبَّى بأمري، قاله ابن عباس.