حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٣٥

الفقه ماسة في الإمامة أمس من الحاجة إلى القراءة، وأيضا فإن الأقرأ من الصحابة هو الأفقه، مخالف لما عليه الناس اليوم، وأما أبو حنيفة فحمل الحديث على ظاهره فأوجب إمامة القارئ" انتهى، لكن قوله رحمه الله "فمن فهم من الأقرأ أنه الأفقه" إلخ فيه تأمل، فإن الظاهر أن هذا لا يناسبه بقية الحديث، فإنها تقتضي أنه غيره حيث قابل بينهما، وذكر لكل واحد منهما متعلقا، وأن المنظور إليه أولا هو الأكثر قراءة، ولا شك أنه ليس الأقرأ هو الأفقه ولو في زمن الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنه من المعلوم أن أقرأهم أبي وأن معاذ بن جبل وابن عباس وعلي بن أبي طالب مثلا أعلم منه. نعم الصحابة كلهم يعلمون من السنة القدر الذي تحتاج إليه الصلاة والإمامة مثلا، فمن كان أكثر قراءة لكتاب الله يكون أولى بالإمامة، بخلاف هذا الزمان فإنه قد يكون الإنسان حافظا لكتاب الله ولا يحسن كيفية الوضوء والصلاة، فلا شك أنه في هذا الزمان يكون الفقيه أولى من الأكثر قراءة إلا أن يكون كل منهما عالما بالقدر الذي تحتاج إليه الصلاة والإمامة، فالظاهر حينئذ أن الأقرأ أولى بالإمامة عملا، بظاهر الحديث، ولم يبين صاحب القواعد رحمه الله ما هو المذهب من القولين لكن كلامه في التعليل يشعر باختيار الأفقه مطلقا، إلا أن يحمل على ما إذا تفاوتا في مسائل الصلاة، والله أعلم.

قوله:» إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف «إلى آخره، وفي رواية أخرى في البخاري بعد ذكر الإسناد أن رجلا قال: "والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا منه يومئذ ثم قال: "إن منكم منفرين فأيكم صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة".

قال ابن حجر: قوله: "فليخفف" قال ابن دقيق العيد: "التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم طويلا بالنسبة لعادة آخرين، قال وقول الفقهاء لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد على ذلك؛ لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا".

٢٣٥ / ١٬٩٦٦