الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣١ورفعه عليها بذلك درجة، فمن ثم جاز إطلاق النحلة على الصداق والصدقة على النفقة انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ردوا السائل ولو بظلف محرق).
قوله (ردوا السائل ولو بظلف محرق) قال العلقمي أي أعطوه ولو ظلفا محرقا، إلى أن قال: وقال أيضا: أي لا تردوه رد حرمان بلا شيء ولو أنه ظلف محرق، والظلف للبقر والغنم كالحافر للفرس والبغل والخف للبعير من النهاية انتهى.
(أبو عبيدة قال بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أطعم مسلما تمرة أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقاه سقاه الله من الرحيق المختوم).
قوله (من الرحيق المختوم) قال البيضاوي من رحيق شراب خالص مختوم ختامه مسك أي مختوم أوانيه بالمسك مكان الطين، ولعله تمثيل لنفاسته، أو الذي له ختام أي مقطع هو رائحة المسك إلخ. (أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان) قالوا فمن يا رسول الله؟ قال (الذي لا يجد غناء يغنيه ولا يفطن إليه فيعطى، ولا يقوم فيسأل الناس).قوله (ليس المسكين) قال ابن حجر: والمسكين مفعيل من السكون قاله القرطبي، قال: فكأنه من قلة المال سكنت حركاته، وكذا قال تعالى (أو مسكينا ذا متربة) أي لاصق بالتراب انتهى. قوله (الذي لا يجد غنى يغنيه) قال ابن حجر في (يغنيه) وهذه صفة زائدة على اليسار المنفي إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، وكأن المعنى نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار وهذا كقوله تعالى (لا يسألون الناس إلحافا).
قوله (فيعطى) وقوله (فيسأل الناس) هما بالنصب في جواب النفي، وفي رواية أخرى للبخاري (ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويتسحي أن يسأل الناس إلحافا). قال ابن حجر بعد كلام: وفيه استحباب الحياء في كل الأحوال، وحسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يتحرى وضعها في من صفته التعفف دون الإلحاح.
وفيه دلالة لمن يقول إن الفقير أسوأ حالا من المسكين، وأن المسكين الذي له شيء لكنه لايكفيه والفقير الذي لاشيء له كما تقدم توجهه يؤيده قوله تعالى (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها، وهذا قول الشافعي وجمهور أهل الحديث والفقه، وعكس آخرون فقالوا المسكين أسوأ حالا من الفقير، وقال آخرون هما سواء، وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك، وقيل الفقير الذي يسأل والمسكين الذي لا يسأل إلخ.