الأسئلة والأجوبة النثرية (نثر فتاوى السيابي) عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

الأسئلة والأجوبة النثرية نثر فتاوي السيابي للشيخ عبد الرحمن بكلي تحقيق كروم الحاج أحمد

الجزء ١ · صفحة ٤٥

17 - (فتنة الصحابة)

ما بالنا نرى الأصحاب منقسمين في شأن الصحابة بعد الفتنة: بعضهم يشدّد، وبعضهم يتوقّف، وبعض يوالي، ومبدأ الولاية والبراءة عندهم واحد؟

الجواب

أمّا القول في الفتن التي كانت نيرانها مشتعلة بين الصحابة ولا تزال فالخطب سهل، فتلك دماء طهّر الله منها أيدينا فلنطهّر منها ألسنتنا، ﴿تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾. [البقرة: 140].

فالصحابة كلّهم عدول في الولاية قبل الافتراق، وأمّا بعد الافتراق فمن توقف ولم يدخل في الفتنة فهو على حاله في الولاية، أمّا الذين دخلوا الفتنة واقتتلوا، فأصحابنا الأوّلون حكموا على كلّ بما عاينوه فيه أو صحّ عندهم، لكن طال الزمان وتساهل الناس في نقل ما كتبوا. فقد قلّت الأمانة، وكثرت

الأهواء، وعمّ التعصب بسبب الجهل(1).

فلم يتحتم علينا التنقيب والبحث عن خفيات من مضى والستر مطلوب، وإن أبيت إلاّ أن تحتكم فاحكم فيهم بما تستيقنه فيهم بلا ريب، وأمّا ما تغيب عنك أو يخفى أو ارتبت فيه فواجب عليك أن تتوقف، ولا يجب علينا أن نقلّد من سبق في ديننا، بل لا نحكم إلاّ بعلمنا فيهم. سيما والشك والتحريف محتملان في النقل عنهم كما قدمت لك. فلنكتف بولاية الجملة فيما غاب عنا علمه. ونسأل الله أن يعصمنا ويلهمنا رشدا.

تعليق:

ما أجمله وأعذبه كلاما وما أعدله وأنصفه حكما، فقد وقف موقفا معتدلا أبان فيه عن صحة عقيدة واستبراء للدين والعرض، إذ احترس عن الخوض في قضية شائكة لا يؤمن فيها الزلق. ناهيك أنّها تتناول سلفنا الصالح ورعيلنا الأوّل الذي كان الواسطة بيننا وبين رسولنا الأعظم في تبليغ ما أنزل إليه وتلقّوه عنه وقد تقادم العهد، وكثرت الأهواء واختلفت الروايات، فإنّ من تأمل حتّى فيما سطره بعض ثقات المؤرخين منّا ومن غيرنا في قضية واحدة من قضايا تلك الفتنة الكبرى. يجد بينها اختلافا كثيرا لاختلاف المصادر التي استقوا منها معلوماتهم، فكانت السلامة حقّا في الكفّ عن تعسّف تلك المجاهيل.

ولو أنّ الذين خاضوا في هذه الفتن بالتجريح والتعديل سيما الذين أسرفوا منهم في الطعن تنزّهوا وتوقّفوا كما فعل علاّمتنا الجليل. وكرّسوا حياتهم لإصلاح حاضر المسلمين. عاملين بالآية الكريمة: ﴿تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعلمون﴾ [البقرة: 140].

(1) -[(ولعبت السياسة لعبتها فحرّكت شريط الأخبار من وراء الستار طبق هواها)].

٥٢ / ٢٠١