عمرو بن خليفة النامي

توفّي ١٤٠٦هـ · ٦ كتابًا في المكتبة

عمرو خليفة النامي

(و: 1358هـ/1939م - ؟)

ولد الدكتور عمرو بن خليفة النامي في نالوت بجبل نفوسة بليبيا.

تربـَّى في أحضان عائلة كريمة عَلَى قِلَّة ذات يدها.

اختلف إلى الكتَّاب يحفظ القرآن الكريم، وتعلَّم مبادئ اللغة العربية والعلوم الشرعية، وكانت نالوت في بدايات نهضة علمية وحركة إصلاحية ترأَّسها الشيخ علي يحيى معمَّر، فارتسمت صورة الشيخ المهيبة في ذاكرة الطفل الذي انتقل بعد ذلك إلى مدينة غريان في ليبيا حيث درس في المدرسة الإعدادية والثانوية.

وكان اختلاف الشاب الذكي إلى مجالس الشيخ علي معمَّر في التاريخ بخاصَّة الينبوعَ الذي استقى منه العبقرية والإرادة والمثابرة.

في سنة 1958م التحق بجامعة بنغازي، وكانت له علاقات حميمة مع أساتذته الوافدين من جامعتي القاهرة والإسكندرية، خاصَّة مع الدكتور محمَّد محمَّد حسن، الذي ربطته به علاقة بنوَّة عميقة، وكان الدكتور معجبا بذكاء النامي ونجابته وأخلاقه.

كان من النجباء الأوائل الذين اختارتهم الجامعة ليزاولوا دراساتهم العليا خارج ليبيا؛ فتوَّجه أَوَّلاً إلى مصر، غير أنَّ أحداث 1965م اضطرَّته للعودة إلى ليبيا، وسرعان ما أعاد الكرَّة نحو ببريطانيا، بعد موافقة الجامعة الليبية، بفضل مديرها الدكتور مصطفى بعيُّو. فسافر إلى بريطانيا سنة 1967م، وأمضى في جامعةكمبردج خمس سنوات، باحثا منقبا، ومستفيدا من الثقافة الإنجليزية وأصبح يكتب بها بحوثه ومحاضراته.

قَدَّمَ أطروحة دكتوراه (PH. D.).

اكتسب في المهجر تجربة فكرية وسِيَاسِيـَّة، وثقافة واسعة، وعلاقات كثيرة مع أهل العلم والفكر ورواد الحركات الإسلامية من مختلف الأجناس واللغات والقارات.

في صيف 1971م رجع إِلىَ وطنه ليشارك في بنائه بالكلمة الطَّـيِّبـَة، ولكن بدَل أن يُشرَّف بالمنابر استقبلته ظلمات العنابر، فمن مراكز الشرطة إلى غرفات التحقيق، ومنها إلى زنازن السجون والمعتقلات.

بدأ تدريسه ونشاطه في جامعة بنغازي، ثمَّ نقل إلى جامعة طرابلس.

ثُمَّ اعتقل ثانية في الحملة الواسعة سنة 1972م تحت شعار: الثورة الثقافية، واضطُهد معه كثير من المثقَّفين، منهم أستاذه الشيخ علي يحيى معمَّر، ودامت هذه المحنة قرابة سنتين.

وبعد أن أفرج عنه، أُجبر عَلَى مغادرة البلاد، وخُـيِّر بين: اليابان، وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا. فسافر مع ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتدريس اللغة العربية والفكر الإسلامي في جامعة متشيجان، وما لبث أن أرغم عَلَى الذهاب إلى اليابان سنة 1979م، وهناك شعر بالغربة، رغم ما قدَّمه من خدمات جلَّى للحركة الإسلامية، لاسيما في الميدان الطلابي، عاد إلى وطنه ليبيا قبل تمام العام من مغادرته.

فاشترى قطيعا من الغنم، وراح يرعاه بضواحي الجبل ليأمن عَلَى دينه من فتنة أصبحت لا تطاق.

ولم يتحقَّق مبتغاه برعي الأغنام، فاعتقل من جديد في سنة 1981م، وزُجَّ به في السجن، دون محاكمة.

ومنذ 1986م انقطعت أخباره إِلىَ اليوم.

ولم يبق من الدكتور سوى أعماله الصالحة، وكتاباته القيمة، التي تشهد له بالتفوق والنبوغ، وما من أحد سمع عنه إلاَّ ويتمنَّى مطالعة عمل من أعماله، أو قراءة قصيد من شعره، أو التمتع بتحقيق من تحقيقاته.

ولعلَّ هذه القائمة التي نسجِّلها هنا، هي أطول حصر لأعمال الدكتور، ولكن يبقى الأمل في العثور على عناوين أخرى، أو لعلَّ الله تعالى يجود به حَيـًّا مكرَّما.

أوَّلا- مؤلفاته:

أطروحة دكتوراه باللغة الإنجليزية، تحت عنوان:

«دراسات في الإباضية».

«Studies in Ibadism» نالها سنة 1971م، ويبدو أَنـَّهَا قد طبعت في لبنان كما ذكر المستشرق شفارتز؛ قامت جمعية التراث بترجمتها إلى العربية، ومراجعة د. محـَمَّد ناصر ومصطفى باجو ومحـَمَّد باباعمي، وهي تنتظر الطبع. كما أخبرنا مدير دار الغرب الإسلامي أنـَّه أشرف على ترجمتها ترجمة أخرى، وهي قيد الطبع.

كتاب «ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية» ألَّفه وهو في السجن سنة 1973م، صدرت طبعته الأولى سنة 1979م. وتوجد منه نسخة بالمكتبة الوطنية بتونس.

«Description of new Ibadi manuscripts from North Africa» وصف لمخطوطات إباضية مكتشفة من شمال إفريقيا.

مجموعة من القصائد، لو جمعت لكوَّنت ديوانا، وهي في مجملها تدلُّ على شاعرية فياضة، وأحاسيس نبيلة. من بينها: «همزية في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام»، وقصيدة في الغربة نظمها باليابان، وقصيدة أخرى فيها شكاة وأناة،

وقصيدة «أُمــَّاه!» نشرت في مجلة الغُرباء، وأنشدتها الفرق الفنية الإسلامية ملحَّنة، ثمَّ طبعت ضمن كتاب قصائد إلى الأمِّ والأسرة، مطلعها:

أمَّاه لا تجزعي فالحافظ الله

إنـَّا سلكنا طريقا قد خبرناه

ثانيا- تحقيقاته:

«أجوبة ابن خلفون» حقَّقه ملحقا بأطروحة الدكتوراه، وهو مطبوع في دار الفتح لبنان، 1974م.

«أجوبة علماء فزَّان: جناو ابن فتى وعبد القهار بن خلف» - المجموعة الأولى - حققها وقدم لها الدكتور النامي، وأكمل التحقيق وأشرف على الطبع الشيخ إبراهيم طلاي، طبع بدار البعث، قسنطينة، 1991م.

«كتاب قناطر الخيرات للجيطالي - يشتمل عَلَى قنطرتي العلم والإيمان» استهلَّه الدكتور بمقدَّمة قيمة، وطبع في مكتبة وهبة بالقاهرة، سنة 1965م، وصوِّر بالجزائر.

«الردُّ على جميع المخالفين لأبي خزر يغلا» حقَّقه النامي، وأكمل التحقيق الباحث أحمد كروم، ولا يزال مرقونا ينتظر الطبع.

«أصول الدين لتبغورين بن عيسى الملشوطي» ملحقا بالدكتوراه.

ثالثا- المقالات والمحاضرات:

نَشرت صحيفة «العلم» الليبية ما بين 1968 و1971م عددا من المقالات النقدية لعمرو النامي، منها: «الحضارة الغربية وموقفها من الإسلام والعالم الإسلامي» و«الشعر الحديث» نماذج ليبية، اختار لها عنوان: «فصول من الجدِّ الهازل». ومقالات أخرى بعنوان: «رَمزٌ أم غمزٌ في القرآن» وفيها ردٌّ على كتابات الصادق النيهوم، ولعلَّ أبرزها وأكثرها دويا مقاله: «إلى متى يظلُّ المسيح بدون أب». ومن مقالاته المثيرة: «كلمات للثورة».

عدَّة محاضرات في ملتقيات وطنية ودولية، منها محاضرته بملتقى الفكر الإسلامي بوارجلان، حول الحركة العِلمِـيَّة بوارجلان في القرن السادس الهجري.

عاش النامي وفيا لدينه، قويَّ الإيمان، لم تزعزعه الأعاصير، شغل عمره القصير بجلائل الأعمال موقنا أَنَّ ثمـَّة أمورًا ثلاثة، للهِ وحده تدبيرها، لا دخل للمرء فيها: الأعمار، والأرزاق، والنصر.

المصادر:

•النامي: دراسات عن الإباضية

•علماء فزان: أجوبة علماء فزان، مقدمة طلاي والنامي، 1-44

•الجيطالي: قناطر الخيرات، مقدمة النامي

•أبو خزر: الرد على جميع المخالفين، مقدمة النامي

•حسني أدهم جرار: قصائد إلى الأم والأسرة، ص57-59

•محمد ناصر: ترجمة مطولة للنامي كمقدمة لترجمة أطروحته للدكتوراه، تحت الطبع، 15ص

•الناكود: محمود محمَّد: كاتب إسلامي مختف منذ سنة 1986م، الدكتور عمرو النامي: سيرته ومواقفه؛ صحيفة «العالم» عدد 468، السبت 7 شعبان 1413هـ/30 جانفي 1993م، ص34-35.

نقلا عن:

كتاب: معجم أعلام الإباضية - قسم المغرب

تأليف: الأستاذ محمد بن موسى باباعمي؛ الدكتور إبراهيم بن بكير بحاز؛ الدكتور مصطفى بن صالح باجو؛ الأستاذ مصطفى بن محمد شريفي

الاستشارة والمراجعة: الدكتور محمد صالح ناصر

رقم العَلم: 688

----------

عمرو خليفة النامي

المستشار عبد الله العقيل

أستاذ الجامعة وراعي الغنم!

(1360 ـ 1406هـ = 1940 ـ 1986م)

مولده ونشأته:

ولد في مدينة (نالوت) في ليبيا، ونشأ في أسرة محافظة تحرص على العلم، وتتمسك بأهداب الدين، وتعمل على تنشئة أبنائها على قيم الإسلام، والالتزام بتعاليمه، وقد تتلمذ عمرو النامي على مشايـخ كثيرين من أهمهم الشيخ علي يحيى معمر من فقهاء الإباضيـة الكبـار في ليبيا، ثم بعد إكمـال مراحله الدراسية، التحق بالجامعة الليبية في بنغـازي حيـث كان أستـاذه الدكتور محمد محمد حسين الذي اهتمَّ برعايته وتوجيهه حتى تخرج فيها سنة 1962م، ثـم ذهب إلى مصر للدراسات العليا، ولكـن النظـام الناصري العسكري الديكتاتـوري شـنَّ حرباً ضروساً على الإسـلام وعلى العاملين للإسلام، وخاصـة الإخوان المسلمين، وجرت الاعتقالات للآلاف منهم، مما جعله يصـرف النظر عن الدراسة في مصر، ويغادرها إلى ليبيا، ليوفد بعـدها إلى بريطانيا للدراسة بجامعة كامبردج، وتخرج فيها سنة 1971م بتفوق وامتياز.

والأستاذ عمرو النامي من شباب الإخوان المسلمين العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في وقت مبكر من شبابه، فقد اتصل بهم، وارتبط معهم، وظلَّ على وفائه والتزامه ولم تزده السجون المتتابعة إلا تمسكاً وثباتاً على الحق الذي يؤمن به، ويجاهد في سبيل تحقيقه، وهو إعلاء كلمة الله في الأرض، وسيادة شريعة الإسلام، ورفع راية القرآن، وتوحيد الأمة الإسلامية على منهج الكتاب والسنة، والتصدي لأعداء الملة والدين.

أساتذته وزملاؤه:

من أهم الأساتذة الذين تلقى على أيديهم العلم والفكر والدعوة: العالم الليبي الكبير، الداعية الشيخ علي يحيى معمر، والعالم المصري الأديب الكبير الداعية الدكتور محمد محمد حسين، فكلا الرجلين كان له تأثير على ثقافته وشخصيته وتوجهاته الإسلامية، وكانا معجبين بذكاء تلميذهما وصدقه وإخلاصه وصفاء قلبه وغيرته على حرمات الدين والأمة والوطن، وجدّه واجتهاده، في تلقي العلم منهما بكل إقبال واستيعاب. فقد كان لمَّاحاً، صافي الذهن، سريع الحفظ، نهماً في القراءة، مقبلاً على العلوم بكل طاقته، يستغرق الساعات الطوال في البحث والدراسة، دونما تعب أو ملل، وهذا شأنه في الليل والنهار، في الحضر والسفر، في السجن وقاعات الدرس، في البيت وفي المسجد، إنه آية من آيات الله في شباب هذا العصر الذي عرف طريقه إلى الله، وسار فيه دونما تردد.

أما زملاؤه، فكان منهم محمود الناكوع، ومصطفى المنقاري، وصادق النيهوم، وهؤلاء كان لكل منهم شخصيته الثقافية وسلوكه الاجتماعي واختياره الفكري، الذي باعد فيما بينهم وبخاصة صادق النيهوم الذي كان على طرفي نقيض مع الدكتور عمرو النامي صاحب الاتجاه الإسلامي والفكر الملتزم، والسائر في ركب الحركة الإسلامية المعاصرة التي تدعو إلى استئناف الحياة الإسلامية، وتحكيم الإسلام في شؤون الحياة، والعمل الجاد لقيادة ركب الإنسانية إلى المنهج الحق، منهج الإسلام، الدين الخاتم الذي ارتضاه الله لنا وللبشرية جمعاء، بينما كان زميله النيهوم يردد مقولات الفرق الباطنية.

أهم مؤلفاته:

ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية.

ديوان شعر.

تحقيق كتاب (أجوبة ابن خلفون).

من هم الإباضية؟

الحضارة الغربية وموقفها من الإسلام والعالم الإسلامي.

فصول من الجد الهازل (نقد الشعر الحديث).

رمز أم غمز في القرآن؟ (رد على كتابات صادق النيهوم).

كلمات للثورة.

وغيرها من البحوث والمقالات والندوات والمحاضرات.

نماذج من شعره:

بعد سجنه لمدة سنتين، طُلب منه أن يغادر الوطن إلى اليابان سنة 1979م فكانت هذه الأبيات.

ودعت دارك رغم الشوق للدار

والدار ذات أحاديث وأخبار

يا دار أمسيت بالأحزان غامرة

تهدي همومك من دار إلى دار

نفسي الفداء لأرض عشت محنتها

ثم ارتحلت وحيداً غير مختار

مبدَّد الحول لا زاد ولا أمل

إلا علالات أفكار وأشعار

أنى ارتحلت فإن القلب يعطفني

إلى الأحبة في شوق وإصرار

بالأمس كنتَ عرينَ المجدِ يا وطني

وتدرج الفضل في سهل وأوعار

رفعت ألوية للفخر عالية

وصغتَ آثار مجدٍ أيَّ آثار

وأمهرتْ أرضك الأبطال من دمها

تسخو به بين أنجاد وأغوار

واليوم لا شيء غير الحزن يا وطني

وغير أناتِ أطيار لأطيار

وله قصيدة بعنوان: «يا ليلة العيد» نذكر منها:

حُمّ القضاء وسُدت دونك الطرق

وغصَّ بالغيم في أجوائك الأفق

وبدد السحب إعصار الهموم فلم

يجد عليك بها طل ولا غدق

كنا نؤمل فجراً مشرقاً غده

فقد أطل كئيباً بعده الشفق

ما كنتُ أحسب أن الحزن يغمرنا

وأننا بعد طيب العيش نفترق

وأن دهراً أمنَّا من حوادثه

جاءت بوادره كالسيف يمتشق

ذابت نعال أحبائي ورفقتهم

من الطواف وغصَّت منهم الطرق

طافوا على كعبة السلطان في أمل

ويمموا بابه الموصود واستبقوا

قد أدمنوا قرع أبواب الرجاء وقد

كلّت أكفهم من طول ما طرقوا

ولا مجيب فما بالدار من أحد

فالظلم يغمرها والطيش والنزق

كنا نظن بهم خيراً فقد حبسوا

ما نرتجيه فهم بالشر قد سبقوا

نفسي فداء أحبائي فقد عصفت

بهم وبي خلجات كلها حرق

أنا هنا رهن قضبان تقيدني

قلبي حزين وجفني غائم شرق

وهم على البعد في قيد يكبلهم

من شوقهم ودموع العين تأتلق

نذوب شوقاً وحزناً لا رجاء لنا

إلا إلى الله يرفو بعض ما فتقوا

يا ليلة العيد كم أقررتِ مضطرباً

لكن حظ بنيّ الحزن والأرق

ما كنت أحسب أن العيد يطرُقنا

والقيد في الرسغ والأبواب تصطفق

وبعد السجن والإبعاد قرر أن يترك العمل الجامعي، ويهجر التدريس، ويهجر المدن، ويزاول مهنة رعي الأغنام، حيث اشترى قطيعاً من الأغنام يرعاه خارج المدن، يقول:

يكفي أباكِ لكي يعيش مكرماً

عجفاء ثاغية وتيس أجرب

ونعيش في قنن الجبال تظلنا

ويحيطنا بالحفظ قفر سبسب

جيراننا وحش الفلاة فلا يرى

فيها سوى سبع يسيح وثعلب

وهناك لا نخشى سوى ذئب الغضا

يعدو على تلك الشياه فينهبُ

والوحش وحش لا يلام لبطشه

هو في طبيعته يغير ويغصب

فلقد نعيش هناك عيشة هانئ

ولقد يسالمنا الشجاع المرعب

معرفتي به:

عرفت الأخ الداعية الدكتور عمرو خليفة النامي من خلال زملائه بجامعة كامبردج حين زرتهم ببريطانيا وهم الإخوة الدكاترة: أحمد محمد العسال من مصر، وحسن عبدالحميد صالح من فلسطين، ومبارك سعود العبيدي من الكويت، وكلهم من دعاة الإخوان المسلمين ببريطانيا.

لقد حدثني هؤلاء الإخوة عن شخصية الأخ عمرو النامي وما يتميّز به من أخلاق عالية وحسن معاملة، ونبوغ علمي، وإتقان للغة الإنجليزية، وفقه دعوي ونشاط طلابي واجتماعي، وقدرة حوارية مع الآخرين، وتمسّك بالدين، وصلابة في المواقف، مما حبّبني به، ورغّبني في الاجتماع به، وكان ما تمنيّت، فقد سعدتُ به بالكويت وزارني في بيتي، ووجدت فيه من الصفات أكثر مما سمعتُ، وبخاصة التزامه بالإسلام، وضرورة العمل الجماعي، وارتباطه الحركي بجماعة الإخوان المسلمين باعتبارها الصورة الصادقة عن الإسلام في هذا العصر، والتي أثبتت جدارتها وكفاءتها وصلابة مواقفها في مواجهة الطغاة وتحدي الباطل، واستعصاءها على الذوبان وعدم خضوعها لمطالب السلطان، رغم التضحيات الجسام التي قدمتها من رجالها وقادتها في ميادين المعارك في فلسطين، وقناة السويس، وسجون الطغاة، وعلى أعواد المشانق.

فلم تلن قناتها، ولم يهتزّ اقتناعها، بل صبرت وصابرت، وثبتت على مواقفها، واستمرت في عطائها وتتابعت الأجيال في مسيرتها، كلٌّ يسلم الراية إلى من بعده مرفوعة شامخة واضحة بيِّنة لا لبس فيها، ولا غموض، لأنها مستمدة من مشكاة الكتاب والسنَّة، وما أجمع عليه سلف الأمة. ولأنها صدى لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وامتداد لقافلة الدعاة إلى الله من عصر الرسالة وإلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا ما كان يبحث عنه الدكتور عمرو النامي حين ذهب إلى مصر سنة 1962م بعد تخرجه في الجامعة الليبية التي استفاد فيها من أستاذه الدكتور محمد محمد حسين. وعندما توجه إلى بريطانيا لنيل شهادة الدكتوراه، وجد ضالته في الإخوان المسلمين الدارسين في كامبردج فسار وإياهم في طريق الدعوة إلى الله، والعمل لخدمة الإسلام والمسلمين، واستئناف الحياة الإسلامية، وجمع الناس على كلمة التوحيد وتربيتهم على مبادئ الإسلام.

والحق يقال: إن الأخ عمرو النامي صورة صادقة عن المسلم العامل، والداعية المجاهد الذي لا يكل ولا يمل من العمل الدؤوب في الدعوة الفردية والمحاضرات والندوات والحوارات، وتقديم الصورة المشرقة المضيئة عن الإسلام، وعن الدعاة العاملين في هذا العصر.

ومما زاد من تأثيره وإعجاب الآخرين به، هذا الشعور الفيّاض، والعاطفة الصادقة، والبيان السهل، والمنطق العذب الذي يظهر في كلماته وحواراته ومحاضراته وأشعاره، فقد كان يأسر القلوب بأسلوبه وعاطفته وصدق كلماته وصراحته وقوة بيانه.

وتلك هي الصفات التي وجدتها فيه وشدتني إليه، رغم تواضعه الجمّ، واعتبار نفسه من التلامذة في ركب كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة، رغم المواصفات القيادية التي تؤهله للصدارة في أكثر من ميدان.

من أقواله: «إن مهمة الجيش في الثورة هي مهمة استثنائية محدودة، يعقبها تسليم السلطة إلى الشعب، وهو الذي يختار أسلوب حياته السياسي والاجتماعي في الفترة القادمة، وإن الاتجاهات القائمة في البلاد كالقوميين العرب، والبعثيين، والناصريين، والشيوعيين، والإسلاميين، هي تجمعات غالب الظن أنها لن تتخلى عن اتجاهاتها القائمة، بل ستستمر في ارتباطاتها بهذه الاتجاهات والدعوة إليها، ونحن نعتقد أن لها جميعاً حقاً كاملاً في اعتناق أفكارها، وعرضها في نطاق الأخلاق العامة للشعب، بعيداً عن التراشق بالتهم، والكذب والإرجاف، ويجب أن تتاح الفرصة الكاملة لهذه التجمعات للتعبير عن أفكارها، وعرضها بكل الصور المشروعة التي تختارها.

إن الإسلام هو الأصل، وهو الأساس في إحداث الإصلاح المنشود في ليبيا، فلا توجد في ليبيا عقيدة غير عقيدة الإسلام».

قالوا عنه:

يقول عنه الأستاذ محمود محمد الناكوع:

«هو مثقف واسع الاطلاع، داعية للحرية، منافح عن الثقافة الإسلامية، يتمتع بذكاء أهله لدرجة المتفوقين في الدراسات الأدبية العليا، تخرج في الجامعة الليبية سنة 1962م بقسم اللغة العربية، ثم ذهب إلى بريطانيا للدراسات العليا، وتخرج في جامعة كامبردج سنة 1971م، بعد أن تعذّر عليه البقاء بمصر بسبب أحداث سنة 1965م، واعتقالات الإخوان المسلمين وعلى رأسهم سيد قطب، فكانت بعثته إلى بريطانيا بجهود مدير الجامعة الليبية آنذاك مصطفى بعيّو الذي قدّر ظروف عمرو النامي وساعده بتحويل بعثته إلى بريطانيا بدل مصر.

لقد كان الدكتور محمد محمد حسين شديد الإعجاب بذكاء عمرو النامي فاهتم به وشجعه على المضي في طريق البحث والدراسة حتى يصبح أستاذاً جامعياً، وجمعت بين الأستاذ وتلميذه رابطة المنطلق والتوجه الإسلامي.

وفي صيف سنة 1971م عاد من بريطانيا إلى ليبيا ليحقق حلمه، وليقف على منابر الفكر والعلم كاتباً وشاعراً وأستاذاً جامعياً، وبدل أن تفتح أمامه أبواب هذه المنابر، استقبلته مراكز الشرطة، وغرف التحقيق، ومنها إلى المعتقل، ثم أفرج عنه بعدها. وفي سنة 1973م جرت اعتقالات موسّعة تحت شعارات «الثورة الثقافية»، و«من تحزّب خان» و«الثورة الإدارية»، وكان عمرو النامي واحداً من مئات المعتقلين من المثقفين والطلبة، وكنتُ أنا أحد المعتقلين في السجن الذي دام قرابة سنتين، وبعد الإفراج عنه، طُلب منه أن يغادر البلاد إلى اليابان، ولأنه شديد الحب لوطنه ولأهله ولمرابع طفولته وشبابه وذكرياته، لم يطق حياة الاغتراب، فعاد إلى البلاد، هاجراً العلم والتدريس إلى مهنة رعي الأغنام بعيداً عن منكرات السياسة، وفوجئ مرة ثالثة بأبواب السجن تفتح أمامه سنة 1981م، وانقطعت أخباره عن أهله وأصدقائه منذ سنة 1984م ولا يعرف مصيره حتى الآن».

ويقول عنه الأستاذ سلطان بن مبارك الشيباني:

«إن الدكتور عمرو خليفة النامي رجل مناضل، ذهب ضحية فكره الإسلامي، ورؤاه الأصيلة، وإخلاصه في الدعوة، وهو باحث أديب، ومفكر إسلامي من ليبيا، وطئت أقدامه أرض مصر والسعودية والكويت وتونس والجزائر والمغرب وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والهند واليابان والفلبين وماليزيا، وجاب شرق المعمورة وغربها، داعياً إلى الله بما عنده، من دماثة في الخلق، وحسن في التعامل، وإتقان للغة الإنجليزية.

وارتبط بعلاقات عدة مع معاصريه وساعدته سنوات الدراسة في جامعة كامبردج على الخصوص في تكوين صلات متنوعة مع أهل العلم وأرباب الفكر وروّاد الحركات الإسلامية من مختلف الأجناس واللغات والقارات.

وقد ترك أثراً طيباً في الأوساط الإسلامية، وقدم خدمات جلى للحركة الإسلامية، لا سيما في الميدان الطلابي والشبابي الإسلامي، وكانت له مشاركة في إحياء ودعم بعض المؤسسات الاجتماعية الخيرية، كما كان عضواً فعالاً في جماعة الإخوان المسلمين وعضواً مؤسساً ونشيطاً في دار الدعوة بليبيا.

أما آثاره فتنوعت بين تأليف وتحقيق وتقديم، ومع أنه ألفها في ظروف صعبة، فقد جاوزت العشرين وكتب مقالات كثيرة نشرت في الصحف الليبية وغيرها، كما ترك مراسلات متعددة، وقصائد وأشعاراً لو جمعت لكوَّنت ديواناً.

وقد قضى خمسة عشر عاماً بعد تخرجه إما مضطهداً ملاحقاً في بلاده من مراكز الشرطة إلى غرفات التحقيق ومنها إلى زنازين السجون والمعتقلات، أو منفياً مغرَّباً عن أهله ووطنه رغماً عنه.

وكان آخر صدى لذكره سنة 1404هـ 1984م عندما نقل إلى سجن خاص، وانقطعت أخباره وعزل عن العالم في مصير مجهول لا يدرك مداه سوى الله سبحانه وتعالى».

وفاته:

في النظم الدكتاتورية كثيراً ما يُعتقل الأشخاص ويغيّبون في أقباء السجون لسنين طويلة، دون أن يُعلم عنهم شيء، وكثيرون منهم يفارقون الحياة تحت سياط التعذيب، ويدفنون في الرمال، دون الإخبار عن وفاتهم، وهذا ما حصل للأخ المجاهد الداعية الدكتور عمرو خليفة النامي الذي اختفت آثاره بعد سجنه، وانقطعت أخباره من سنة 1984م.

نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يدخله جنته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، والحمد لله رب العالمين.

نقلا عن موقع المكتبة السعيدية:

https://alsaidia.com/node/334

كتبه

تحقيقاته

  1. أجوبة ابن خلفون
  2. أجوبة علماء فزان (تحقيق عمرو خليفة النامي)
  3. آداب المتعلم (خلاصات من قناطر الخيرات)
  4. كتاب الرد على جميع المخالفين (طبعة/تحقيق النامي)
  5. قناطر الخيرات (القسم الأول: قنطرتا العلم والإيمان)

ما دُرِس عنه

  1. الدكتور عمرو النامي: سيرته ومواقفه
  2. الدكتور عمرو خليفة النامي: معالم آثاره وأفكاره
  3. المدرسة الإباضية في الدراسات الإيطالية: دراسة المستشرق روبيرتو روبيناتشي نموذجا
  4. تصويبات ترجمة دكتوراه النامي
  5. حياة النامي ومقالاته وأشعاره
  6. رسائل إلى عمرو النامي
  7. سعيد سيفاو وعمرو النامي: أمازيغيان في مواجهة الطغيان (ج1)
  8. عمرو النامي؛ شهادة ميلاد مفتوحة
  9. عمرو النامي: مسيرة عطاء في درب الخير
  10. كاتب إسلامي ليبي مختف منذ 1984: الدكتور عمرو النامي سيرته ومواقفه

تقديماته

  1. ثورة أبي يزيد: جهاد لإعلاء كلمة الله

فتاواه

  1. أشراط الساعة: النص والتاريخ
  2. البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع)
  3. الرد على الشويعر
  4. الشراة ودورهم في حماية الدعوة الإباضية
  5. حركة التأليف عند العُمانيين في القرون الهجرية الثلاثة الأولى
  6. صلة الاجتهاد بالفكر العقدي والسياسي عند الإباضية
  7. قصة إمام: الشيخ عمروس بن فتح النفوسي
  8. كتاب أصول الدين (الأصول العشرة)
  9. مدخل لفهم الإباضية

ضبطه

  1. رسائل الإمام جابر بن زيد الأزدي (طبعة بصيرة/دار الدعوة)