إعادة صياغة الأمة - كتاب لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٦٠وفي عهد الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم نرى أنهم كانوا يجتهدون في تطبيق النص، بل ربما كان النص يُطبق في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي جزء من عهد الخلافة الراشدة على نحو معين، ولكن يأتي من بعده عهد آخر فيرى الخليفة والمسلمون معه عدم تطبيق النص على ذلك النحو، لأن الأمور تغيرت والأحوال تحولت، فعندما منع عمر رضي الله تعالى عنه المؤلفة قلوبهم ما كانوا يُعطَونه من قبل من سهم في الزكاة، لم يكن بذلك مُعطلاً للنص -حاشاه عن ذلك- وإنما كان مُعملاً للنص كما يقتضيه الحال، فقد أدرك تمام الإدراك أن الأمر جاء من عند الله وطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم لحكمة، وذلك لأن هؤلاء كانوا في ذلك الوقت يرهب جانبهم، فالدولة الإسلامية في بداية نشأتها ومن داخلها أعداء ومن خارجها أعداء، فبداخلها المنافقون الذين كانوا يتربصون الدوائر بالمسلمين، وخارجها كان الكفرة من الروم والفرس الذين كانوا يتربصون الدوائر بهذه الدولة، أما وقد وصل الأمر بأن تُثلَّ عروش الظالمين من الأكاسرة والقياصرة ويُنزلوا من عليائها صاغرين، فإنه ولا ريب لم يبقَ هنالك جانب يرهب من قبل أولئك الذين كانت تتألف قلوبهم بسبب دخولهم في الإسلام من جديد، فإذن هو إعمال النص، فأعطاهم عندما كان الأمر يقتضي ذلك، ومنعهم عندما كانت المصلحة تقتضي ذلك.
ماهر عبد الله: