الأعمال الكاملة لبدر العبري ج5
الجزء ١ · صفحة ٢٤وإذا كانت المرأة تتميز بالحنان والرأفة الشديدة تجاه شقيقها الرجل؛ فإنّ الأم هي مصدر هذا الحنان؛ بل هي مصنعه الأول والأخير، فأي حنان أعظم من حنان أمٍ تحملت ما في بطنها أشهرا تسعا، وهي تتألم وتعاني من آثار ذلك الحمل، تحملته وهي كارهة، ولكن الحنان غلب عليها، فصبرت وسكنت، فإذا ما ظهر على الحياة كانت له نعم الرؤوف الحنون، فإن بكى أرضته، وإن اشتكى داوته، وإن اتسخ نظّفته، وإن جاع أطعمته، وإن تعرى سترته، فظلت له وفية كريمة، حتى إذا اشتد عوده، وعظم بناينه، ومع ذلك لم ينقص من حنانها شيئ؛ بل ظلت وفية له، ولو عقها وضربها، وأساء إليها وهجرها.
فحق لهذه الأم أن تكرم، ومن الجمال أن يرد إليها فضلها وجلالتها، وإلا كان الكون الذي نعيشه ونترعرع فيه اليوم أصبح في خبر كان، فحفاظنا وتكريمنا للأم هو حفاظنا وتكريمنا لهذا الكون العظيم، الذي نأكل من خيراته، ونلهو فوق ترابه، ويظلنا بسقفه وسمائه.