الأعمال الكاملة لبدر العبري ج5
الجزء ١ · صفحة ٦٤فهذه المسكينة تجدها الجهات المختصة في إحدى سواحل هذه البلاد الطيبة، وهي تتأوه جوعا وألما، لماذا؟ لأن ابنها ضحك عليها بعد هجران، فتصورته أنه حملها ليرد شيئا من جميل صنعها … ولكن هيهات هيهات … أخرجها ليتخلص منها …
وتلك أم أخرى يرفع ابنها صوته في وجهها؛ لأنها طلبت شيئا بسيطا منه، ونسي ذلك الوقت التي أنفقته في تلبية طلباته الخاصة، ولو لإزالة الأذى عن جسمه، تترك راحتها لأجله، ونومها لخدمته، وبعد ما شاب يبخل أن يلبي أدنى طلباتها …
وآخر يبخل أن يتعب نفسه ليخفف شيئا من آلام أمه، وهي ملقاة على سرير المستشفيات، وقد كانت تسهر الليالي والآيام في حال حدوث حمى بسيطة منه …
ورابع إذا ما تكلمت أمه رفع صوته عليها، وكأنها شبح مزعج في كلامها، ونسي المسكين الساعات التي قضتها للأجابة عن أسئلته حينها لم يكن يفقه شيئا … بل أنصتت إلى أسئلته الطفولية بكل احترام، وكأنه شيخ كبير جليل …
وخامس يبخل أن يعطي أمه قليلا من ابتسامته الجميلة، بل إذا تكلمت عبس في وجهها، ونسي أنها حتى في مرضها الشديد، ورهقها الكبير لم تبخل أبدا أن تلاعبه وتضحك له، حتى لا تتأثر نفسيته …
فهل جزاء بعد هذا الإحسان كفران، وهل بعد هذا الجميل نكران، أم هل بعد هذه الشيبة والكبر ظلم وهجران …
إن الأمهات لسن بحاجة إلى هدية خادعة يعقبها عقوق طويل مظلم، فما الفائدة من هدية خادعة تضعها الأم في جسدها أو في غرفة نومها، وبعد هذا اليوم لن تجد ابنها الوحيد، والذي سيتحول إلى حيوان مفترس لا يدرك من الأمومة شيئا، بل ستزيدها هذه الهدية حسرة وكآبة؛ فبها تتذكر فلذات أكبادها، وهم قد رمو بها في بحر مغرق من الأوهام والآلام.