الأعمال الكاملة لبدر العبري (ج5) بدر بن سالم بن حمدان العبري

الأعمال الكاملة لبدر العبري ج5

الجزء ١ · صفحة ٩٧

أما إذا أتينا إلى الكلية الثانية فاعتبرت الشريعة الحفاظ على الطرق وأمنها، وعدم الإفساد فيها قبل أن يكون مطلبا شرعيا، اعتبرته جزء من مفرزات وآثار عقيدة المسلم، فهو نابغ من تعظيمه لله تعالى وشكره له، من هنا أدبيات الطريق في الشرائع السماوية ليست أمرا دنيويا فحسب؛ بل هو أمر أخروي يُحاسب عليه الإنسان يوم القيامة، فالإفساد في الطرق من الكبائر الشنيعة، والتي لا تقل شناعة عن ترك الصلاة والصيام والزكاة، بل لا معنى لهذه الشعائر وهو يفسد في طرق المسلمين، ويخل بأمنهم، فالدين كلّ لا يتجزأ، وشريعة شاملة لا تقتصر على المساجد فحسب؛ بل تعم نواحي الحياة بما فيها الطرق، وفي الوقت نفسه لا تنحصر على الأوراد والأذكار؛ بل تعمّ الأقوال والأفعال التي يمارسها الإنسان في سلوكياته وأفعاله، ويدخل فيها تعامله مع الطرق.

من هنا الإفساد في الطرق جريمة شرعية يترتب عليها العقاب الأخروي، وهذا ما دلّ عليه آيات الكتاب العزيز، فالذي لا يبالي بأدبيات الطريق لا شك سيلقي بنفسه وإخوانه من المارة والمشاة والركبان وغيرهم في الهلاك، والله تعالى يقول: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(1)، فليس من الإحسان العبث في الطريق، وعدم التقيد بأدبياته، وعكس الإحسان الإساءة، والإساءة من الكبائر الموبقة والتي تؤدي كثيرا إلى نتائج وخيمة، وعلى رأسها إزهاق الأرواح البريئة والتي قال الله تعالى فيها: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا(2)، فكم من أرواح أزهقت بسبب طيش الطائشين، ولعب المتلاعبين، واستهتار المستهترين، فضلا عن ترمل نساء بلا ذنب، وتيتم أطفال بلا جرم، وضياع أموال وأوقات بسبب هذه السفه الطائش.

(1) البقرة/ 195.

(2) النساء/ 93.

٩٧ / ١٧٤