الشباب والتحديات المعاصرة لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٦ولما دخل المدينة المنورة القائد الشهير أبو حمزة الشاري -رحمه الله تعالى- وأخذ أهل المدينة يقولون في أصحابه: إنهم شباب أغمار سفيهة أحلامهم، انبرى أبو حمزة -رحمه الله- يرد عن أصحابه ويذكر محاسنهم، فقد جاء إلى منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخطب خطبة طويلة، وقال فيها مثنياً على أصحابه(1) : «يا أهل المدينة تعيرونني بأصحابي، تزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شباباً؟ نعم؛ شباب والله مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الحرام أعينهم، بطيئة عن الشر أقدامهم، أنضاء عبادة وأطلاح سهر، موصول كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم من طول السجود، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول الصيام، لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، إذا مرَّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مرَّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، مستقلون ذلك في جنب الله، مستنجزون لوعد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فُوِّقت، ورماحه قد أشرعت، وسيوفه قد انتضيت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت، استهانوا وعيد الكتيبة بوعد الله، فلقوا شبا الأسنة، وشائك السهام، وحد السيوف بوجوههم وصدورهم ونحورهم، ومضى الشاب هنالك قدماً، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، فخرَّ صريعاً في الثرى، ورملت محاسن وجهه بالدماء، وأسرعت إليه سباع الأرض وانحط إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله، وكم من يد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده لله، وكم من خد عتيق قد فلق بعمد الحديد، فرحم الله تلك الأبدان، وأدخل أرواحهم الجنان».
(1) من أراد الخطبة كاملة فهي موجودة في (العقود الفضية في أصول الإباضية) الشيخ سالم بن حمد الحارثي، (ص-208).