الخشوع في الصلاة (من جواهر التفسير) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الخشوع في الصلاة من جواهر التفسير لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٥

فإذا قلت إياك نعبد وإياك نستعين، أحسست بتضاعف الهيبة، لأنك انتقلت إلى خطاب الله تعالى خطاب الحاضر، ومضمون الخطاب نفسه يستلزم منتهى الخضوع والوصول إلى أقصى حد في التواضع، لأن معنى خطابك تقديم عبادتك إليه تعالى وهو غني عنك وعنها، وإنما هي وظيفتك التي لأجلها خلقك، ورفع قدرك بما بسط لك من نعمه وسخر لك من خلقه، فقيامك بها إنما هو شرف لنفسك ومنفعته عائدة إليك.

وهذا الخطاب منك يقتضي عدة أمور، منها صدق المقال، وإخلاص السريرة، وتعظيم المقام، والاستمرار على الخضوع المطلق للمعبود، وطاعته الدائبة، والعطف والرحمة بعباده. فإن الله علمك في هذا الخطاب أن تشرك نفسك مع غيرك من عباده العابدين، ولم يعلمك أن تخاطبه بصيغة فردية، التي تقتضي استقلالك عنهم، وفي هذا ما يقتضي وحدة الأمة المؤمنة القائمة بعبادة ربها، وحدة عامة في الشعور والإحساس، وفي القول والعمل، وفي المبادئ والأهداف، وفي الآلام والآمال.

فإذا قلت وإياك نستعين شعرت بقيمتك عند خالقك إذ لم يجعل بينك وبينه وسائط تستعين بها في طلب محبوب أو أتقاء مخوف، كما أنه لم يجعل بينك وبينه وسائط تعبدها دونه، فالعبادة والاستعانة خاصتان به تعالى وذلك فيما لم يجعل الله التعاون فيه بين الناس من سنن كونهم ونواميس حياتهم ـ كما تقدم تفصيله في تفسير الفاتحة الشريفة ـ وفي شعورك بهذا تخليص لك من التشبث بالأوهام، كالضراعة إلى الموتى في القبور، أو إلى الأشجار والأحجار، أو العيون والأنهار، أو الجن والشياطين، في طلب فكاك من معضلة أو وصول إلى هدف.

فإذا قلت (( إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ))، شعرت أنك أمام طريقين:

طريق الهداية والاستقامة المؤدي إلى نعمة الله تعالى بالتوفيق والفوز بالرضوان، وهو الذي وفق الله لسلوكه عباده الصالحين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

٥ / ٦