الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٧والداعية إذا كان غير قادر على النظر في الأدلة الشرعية؛ بحيث يكون غير متمكن من النظر والتفرقة بين الأشخاص الذين يعملون ببعض الرخص أو الذين ينبغي أن يتشدد عليهم؛ لا ريب أن عليه الرجوع إلى العالم الخبير بذلك؛ لأن الداعية كالطبيب، فالطبيب يضع الدواء المناسب في العلة المناسبة لاستئصالها، فلربما أخطأ الطبيب وأعطى الدواء الذي يصلح في فصل الشتاء لأحد في فصل الصيف وكان ذلك سبباً لإصابته، ثم إن طبائع الناس تختلف، فربما إن عولج أحد بهذا العلاج أدى إلى أن تثور علة أخرى في جسمه، فلربما كان مريض القلب مثلاً لا يحتمل كثيراً من العقاقير التي هي علاج لبعض الأمراض في جسمه، فيجب الاحتياط لئلا تؤدي تلك العقاقير إلى ثوران مرض القلب، فكذلك الداعية، ومن أجل ذلك كانت نظرة الدعاة الذين هم على بينة من الأمر إلى أحوال الناس تجعلهم ينزلون كل واحد منزلته، كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه جاءه رجل يستفتيه في قبلة الصائم لامرأته، فقال له: هي مباحة، فجاءه آخر فقال: هي ممنوعة، فنظر الناس إلى حال الرجلين فإذا الذي جاء يستفتيه أول الأمر وأباحها له هو شيخ(1) ، فأدرك أن الشيخ لا تثور ثائرة الشهوة فيه بمجرد القبلة، ولذلك يمكن أن يملك نفسه، وأما السائل الآخر الذي منعه ابن عباس من القبلة فهو شاب، وبسبب ذلك منعه من التقبيل؛ لأن الشاب أسرع هيجاناً من الشيخ، فهذه الأمور ينبغي أن لا تعزب عن ذهن الداعية.
وعلى الداعية أن يتخير الوسائل والأساليب المجدية في تغيير المنكر وفي مسائل الرأي أيضاً، فإنه قد يأخذ أحياناً برأي المرخصين من أجل أنه يراه أجدى في مقام من المقامات وعلاجاً لعلة من العلل، ولربما يتشدد أحياناً لأجل استئصال شأفة فساد، عندما يرى أن الشدة هي الأجدى، فعليه أن يتحرى ذلك ويشاور من كان أعلم منه.
(1) الطبراني في الكبير، انظر مجمع الزوائد للهيثمي (4965)، كتاب الصيام (باب القبلة والمباشرة للصائم).