العبادة وأثرها في حياة المسلم لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٤٦والصوم أيضاً له أثر كبير في نفس الصائم ، والله تبارك وتعالى يبين لنا حكمة الصيام في قوله عز وجل : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) ﴿البقرة/183﴾. أي لتتّقوا ، فالصوم المطلوب من العبد هو الصوم الذي يروض به نفسه على الأعمال الصالحة واجتناب السيئات فيحملُ الصائم نفسه على تقوى الله عز وجل وذلك إذا ما أدى الصوم على الطريق المشروع ، فإنّ الصوم ليس هو مجرد الكفّ عن الأكل والشرب ومباشرة النساء فحسب ، بل أمر الصوم أكبرُ من ذلك ، ذلك لأن الصوم المطلوبَ هو بجانب ما ذُكر ضبط النفس وقيد الجوارح عن جميع الأعمال السيئة ،ولذلك جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال : " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " ، وهذا الكلام لا يخرج إلاّ مخرج التهديد والوعيد. واخرج الإمام الربيع من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام قال: " لا إيمان لمن لا صلاة له ، و لا صلاة لمن لا وضوء له ، ولا صوم إلاّ بالكفّ عن محارم الله " .
فالذي يصوم عن الطعام والشراب ولكنه مع ذلك لا يتورّع عن الولوغ بلسانه في أعراض الناس ليس صيامه بشيء ، وكذلك الذي يقضي سحابة نهاره في معاملات الربا ويخادع الناس ويماطلهم ويتحايل على أموالهم ليس صيامه من عبادة الله تعالى في شيء ، إنما حظّه من الصيام الجوع والعطش فحسب.
والذي يتكبّر على الناس ويستعلي عليهم ويظن أنه أرفع منهم قدراً ، وأعظمهم شأناً وأولى منهم بالإحترام والتقدير هو أيضاً ليس صيامه في شيء من عبادة الله ، لأنه خرج عن حقيقة العبادة المطلوبة.