المجالس الرمضانية لبدر العبري
الجزء ١ · صفحة ٣١وصل إلى ماء مدين وهو مجهود مكدود، لكنه رأى مالا تستريح إليه النفس ذات المروءة السليمة، إذ وجد الرعاة الرجال يوردون أنعامهم لتشرب من الماء؛ ووجد هناك امرأتين تمنعان غنمهما عن ورود الماء، والأولى أن تسقي المرأتان وتصدرا بأغنامهما أولاً، وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما، ولم يقعد موسى بل تقدم للمرأتين يسألهما عن أمرهما الغريب: ﴿قال: ما خطبكما؟﴾ ﴿قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير﴾، فأَطلعتاه على سبب انزوائهما وتأخرهما وذودهما لغنمهما عن الورود إنه الضعف، فهما امرأتان، وهؤلاء الرعاة رجال، فلم تزاحما الرجال، بل تنتظرا حتى يفرغوا، وأبوهما شيخ كبير لا يقدر على الرعي ومجالدة الرجال! وثارت نخوة موسى عليه السلام وفطرته السليمة، فتقدم ليسقي للمرأتين أولاً كما ينبغي أن يفعل الرجال ذوو الشهامة ﴿فسقى لهما﴾ ﴿ثم تولى إلى الظل﴾، مما يشير إلى أن السفرة كانت في القيظ والحر، ﴿فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾، إني إلى فضلك ومنّك وكرمك فقير محووج، ونسمع من خلال التعبير رفرفة هذا القلب والتجاءه إلى الحمى الآمن، والركن الركين، والظل الظليل، نسمع المناجاة القريبة والهمس الموحي، والانعطاف الرفيق، والاتصال العميق: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ فيعجل الله الفرج، ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ مشية الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة النظيفة حين تلقى الرجال ﴿على استحياء﴾، في غير ما تبذل ولا تبرج ولا تبجح ولا إغواء، جاءته لتنهي إليه دعوة في أقصر لفظ وأخصره وأدله، يحكيه القرآن بقوله: ﴿إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾، فمع الحياء الإبانة والدقة والوضوح؛ لا التلجلج والتعثر والربكة، وذلك كذلك من إيحاء الفطرة النظيفة السليمة المستقيمة، فالفتاة القويمة تستحي بفطرتها عند لقاء الرجال، والحديث معهم، ولكنها لثقتها بطهارتها واستقامتها لا تضطرب