المجالس الرمضانية لبدر العبري
الجزء ١ · صفحة ٥٩أرأيتم اللبن في نصاعة بياضه، وفي لذة مطعمه، وفي طيب ريحه، هل ترون فيه عَرْفا من فرث أو شوْباً من دم؟؟ كذلك الإخلاص في عبادة الله لا يقبل الله فيه أن يشرك معه غيره ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ النساء: (36)
وإذا كان الإنسان لا يقبل كأس لبن شيب بقطرة عَرَقِ تحدَّر من جسده، أو لعابٍ سال من فمه، فضلا عن نقطة دم، فكيف يقبل أن يُقَدِّمَ لربه عملاً أشرك فيه غيرَه؟؟!!
وعبادةُ الصوم يتجلى فيها الإخلاص في أبهى صوره، ولا ينبغي بحال أن ننظر إلى الجوانب المادية الإيجابية التي نتحصل عليها من الصيام فنجعلها العلة التي دار عليها تشريع الصوم لأن هذا يذهب بما فيها من قيمة روحية .. ويسلُبها أسمى معانيها وهو الاستسلام لله رب العالمين ..
إن القوة التي تدير عجلة الحياة بسرعة، وتُفيضُ على هذا العالم الحياة والنشاط هي الإيمان بالمنفعة التي تكمن وراء ما يعمله، وهذا الإيمان هو الذي يوقظ الفلاّح في يوم شاتٍ شديد البرد، ليغدو باكراً إلى حقله، وهو الذي يهوِّن على الكادح أن يكدح تحت لفح الشمس وفي يوم قائظ، وهو الذي يسلي المغترب عن أهله ووطنه لتحصيل مأربه، وقد يتحقق مراده وقد لا يتحقق، غير أن هناك إيماناً أعظم سلطاناً على النفوس، وأعمق أثراً من هذا الإيمان، وهو مضمون النتائج وتتحقق من ورائه العوائد، إنه الإيمان بما أخبر به الله ورسله المصطفون الأخيار من الثمرات المتحصلة من العبادات المشروعة ..