أ 103 الطريق إلى التقوى
الجزء ١ · صفحة ٥أي تجنبت رؤيتنا إياها باليد، وتقوى الله تبارك وتعالى كلمة مجازه لا يمكن أن يتجنب الإنسان ذات الله فإن الحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالإتصال بمخلوقاته ولا يوصف بانفصال عنها لأنه كان قبل خلق هذه المخلوقات فهو قد كان قبل خلق الأين وقبل خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان، لا يطلب بأين ولا يدرك بعيد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فإذا تقوى الله تبارك وتعالى ليس بمعنى تجنب الله وإنما تقواه بمعنى تجنب سخطه عز وجل ومثل ذلك قول سبحانه: ﴿ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴾ فإن اتقاء ذلك اليوم بمعنى تجنب المصير إليه أمر متعذر فكل أحد من الناس موعود بأن ينقلب على ذلك اليوم ويصير إليه فإذا ليس من المعقول أن يقوى أحد على تجنب ذلك اليوم وإنما هو تجنب ما يريديه في ذلك اليوم من المهلكات ولئن كان المراد بتقوى الله سبحانه وتعالى اتقاء سخطه فإذا إتقاء سخط الله يكون بفعل المأمورات وتجنب المنهيات، وبهذا تكون كلمة التقوى في المدلول الشرعي دالة على الفعل والترك أو كما يقال دالة على التخلي والتحلي فهي دالة على التخلي عن كل المرديات التي تؤدي إلى سخط الله وعلى التحلي بكل الأمور الحسنة التي تؤدي إلى رضوان الله سبحانه وتعالى فما من شيء يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة إلا وفعله بعد اتقاء الله تبارك وتعالى لأنه اتقاء لسخطه عز وجل، وكذلك ما من أمر يؤدي إلى سخط الله عز وجل إلا وتجنبه من تقوى الله لأن تجنبه يؤدي إلى نيل رضوان الله تبارك وتعالى فبهذا يكون الإنسان بفعله المأمورات واجتنابه المنهيات متقيا الله ولأهمية التقوى جاء الأمر في الكتاب العزيز بالتقوى في مواضع كثيرة ، إذ لم يؤمر الإنسان بشيء في الكتاب كما أمر بالتقوى فقد تكرر الأمر بالتقوى في مواضع كثيرة من كتاب الله سواء كان في موضع التشريع أو كان في معرض الوعد والوعيد أو كان في معرض الإمتنان من الله