بيع الإقالة لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٢اعلم أن ما تعورف على تسميته عندنا ببيع الإقالة أو بيع الخيار بحثه علماء الأمة من شتى مذاهبها معنونا بأسماء مختلفة ، فالمشهور عند الحنفية تسميته بيع الوفاء ومنشأ هذه التسمية عند أهل سمرقند، وقد سمي عندهم بأسماء أخرى، فمنهم من يسميه البيع الجائز، ومنهم من يسميه بيع المعاملة، وسماه آخرون بيع الأمانة وهو المشهور بمصر، وبيع الطاعة أو الإطاعة وهو المشهور عند أهل الشام، وسمي عند حنفية تونس الرهن، أما المالكية فقد اشتهر عندهم ببيع الثنيا، كما اشتهر عند الشافعية ببيع العهدة، وعند الحنابلة ببيع الأمانة كحنفية مصر، ويسمى في طرابلس الغرب بيع الوعدة، وعند أهل اليمن بيع الرجاء، وأشهر أسمائه عند غيرنا بيع الوفاء، ولعل ذلك راجع إلى أن هذا الاسم هو الذي سماه به أول الناس تعاملاً به وبحثا في أحكامه وهم الحنفية كما سيأتي إن شاء الله .
نشأة هذا البيع:
ولم يكن التعامل بهذا البيع معهودا في الصدر الأول، ولذلك لم يرد له ذكر في الحديث الشريف، ولا في الآثار المروية عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولا في أقوال التابعين، بل ذهب كثير من الفقهاء الذين بحثوا أحكامه إلى أن نشأته كانت في القرن الخامس الهجري ببلاد ما وراء النهر، وفي هذا يقول العلامة محمد بن محمد بيرم الثاني -من علماء الحنفية- في كتابه "الوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء" :
"أعلم أنه لما كان الغالب على الناس في عصر المجتهدين وما قرب منه قصد النفع الأخروي، حتى كان المقرض منهم يقرض لوجه الله عزوجل لم يكن لهذا العقد وجود في دائرة الشهود، فلما انقلبت الأوضاع وغلب حب الدنيا على الطباع وصار الإنسان كما قال صاحب الفصول ( لا يقرض غيره شيئا كثيرا من ماله من غير أن يطمع بحصول نفع مالي ) أحدثوه لتحصيل الأرباح بطريق مباح، وأظن أن مبدأ ظهوره كان بسمرقند لأن الكلام فيه للسمرقنديين" .اهـ