صمود النص أمام الطوفان الجارف لخميس العدوي
الجزء ١ · صفحة ٢٣4. المذاهب : تزامن مع المرحلتين السابقتين مرحلة وجود الأئمة المقلَدين، وبذلك استحكمت حلقات المدرسة الأثرية، ودخل النص في منعطف التفسير الأثري أو كما يسميه البعض السلفي، ووجد ما يسمى بمجتهد المذهب الذي يقابل المجتهد المطلق، والحقيقة أن الاجتهاد المذهبي هو الذي اتسعت دائرته؛ وإن ادعي نفيه، وضاقت جداً دائرة الاجتهاد المطلق، وإن ادعي سلوكه، واشتغل بالشروح والاختصارات المذهبية، وظهرت مقولات كفر من يتعامل مباشرة مع النص ويأخذ دون واسطة الأئمة من الكتاب والسنة، وتدرج الفقه والفكر في مدارك التخلف والتأخر، ثم وصلت الأمة بذلك إلى مرحلة إغلاق باب الاجتهاد، وكأن الحياة قد توقفت عند تلك الفترة الزمنية، وأصبح الإسلام بنصوصه الشاملة الكاملة أسير مصطلحات وألفاظ فصلت حسب مذاهب نشأت في القرن الثالث أو الرابع الهجريين، وتشكل العقل المسلم على ذلك، وأصبح من فروض العين التسليم والاستسلام لهذه المذاهب، ومهما نبغ العالم لا يستطيع أن يعدو خارج مضمار مذهبه إلا إن خرج من هذا المذهب ودخل في ذاك، واشتغل الناس بالانتصار للمذاهب، ووضعت أحاديث في سب العلماء المخالفين، وتقطعت الأمة إلى أشلاء ممزعة، وذهب كل فريق بما لديهم فرحين، يحسبون أنفسهم على شيء وما هم على شيء إن هو إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، وما نراه من سب وشتم مذهبي عبر "الإنترنت" إلا صدى واضح لهذه المرحلة المذهبية التي لا زالت عقول المذهبيين وأقلامهم تدور حولها، ولكن سواطع الحق قد لمع سناها، وخيوط الفجر قد شقت سمانا، فعلينا أن نستعد للتغيير القادم، وعلينا أن ندرس مناهجنا حتى نقوّمها بميزان الكتاب والسنة الثابتة، ولا يبقى تعصبنا إلا للحق وحده.