صمود النص أمام الطوفان الجارف لخميس العدوي
الجزء ١ · صفحة ٢٦جاء العصر الحديث وأحدث نقلة نوعية في البشرية على جميع المستويات، وأساسها التغير في التفكير الإنساني، ونرى كثيراً من المحللين لهذه الظاهرة يذهبون مذهباً خاطئاً، حيث يعتبرون هذه الفترة قد أضعفت الدين في نفوس الناس وهيمنته على أعمالهم، وأرى عكس ذلك، أرى أن قوة الدين زادت وشوكته قويت، ودليل ذلك بروز الأصولية الدينية بشكل عاصف وصلت إلى حد الهيجان، وهذه ظاهرة عالمية لم يختص بها دين عن سائر الأديان، لا يقال: بأن الإنسانية قبل ذلك كانت مسحوقة تحت وطأة الدين والآن تحررت منه، لأننا نفرق بين خضوع الإنسان له رهبة، وهو ما كان قائماً، وخضوعه له قناعة وهو ما كائن الآن، وهذا بغض النظر عن سلامة الدين ونصوصه، وكان الناس أيضاً مقهورين بسلطان الخرافات -والخرافات نقيضة الدين وعدوه اللدود- وقد تحررت البشرية من الكثير منها، ولا يقال أيضاً: إن البشرية الآن أكثر تفسخاً من ذي قبل؛ وهو صحيح بلا ريب، لكن هذا التفسخ ليس راجعاً إلى ضعف الدين في النفوس، بل هو راجع إلى منبع الدين نفسه كأديان الشرق الوضعية، أو إلى التحريف في نصوصه كاليهودية والنصرانية، أو إلى الإضافة إلى النص كالوضع في السنة النبوية الشريفة.
ولنأخذ على ذلك مثالاً من الواقع الإسلامي، فبسبب عقيدة الإرجاء والخروج من النار والشفاعة للعاصين غير التائبين؛ وهي عقيدة يهودية دخيلة على الإسلام، بسبب ذلك وجد الانسلاخ عن أحكام الدين وبالتالي وجد التفسخ، لأن الإنسان عندما يجد دينه يرخي له العنان في هذا الأمر؛ فما الذي يلزمه به؟!.
هذا؛ وفي ظل التغير العالمي في نظرته للدين مما أدى إلى انبعاث الأصولية، وبالتقريب في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري، كان في العالم الإسلامي مخاض انبعاث وتغيير، ولد من رحمه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وبوجودهما وجد منعطف نقدي في التفكير الإسلامي، يشكل تهديداً للمدرسة الأثرية عرف هذا المنعطف "بالمدرسة الإصلاحية".