عظمة العلم لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٠فإذا بهؤلاء الذين كانوا أميين يتحول كل واحد منهم إلى قرآن يمشي على الأرض، تتجسد هداية القرآن في جميع تصرفاتهم وأعمالهم..في أخذهم وعطائهم..في ردهم وقبولهم..في إقدامهم وإحجامهم..في سرهم وجرهم..في غضبهم ورضاهم..في جميع أحوالهم ما كانوا ينأون في أي شيءٍ عن هداية القرآن. وقد صدق من وصفهم من أعدائهم بقوله: ( هم رهبانٌ بالليل وفرسانٌ بالنهار لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام يقضون على من حاربوا حتى يأتوا عليه )، وكما قال الآخر أيضاً من أعدائهم الذين واجهوهم في ميادين المعركة: ( أما الليل فرهبان وأما النهار ففرسان يريشون النبل ويروونها ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر ).
هذه هي صفات الجيل الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم على القرآن. كانت جواهر الحكم تتناثر من أفواههم، عندما ينطقون كانت كلماتهم تخرج من أفواههم جامعةً بين لألاء النور ولهيب النار، كانت كالنار في قلوب أعدائهم وكانت كالنور بالنسبة إلى الذين يريدون أن يهتدوا بهداها، وكانوا عندما يصمتون لا يصمتون عن عيٍّ وحصر ولكنها العبرة والذكرى وعندما ينطقون لا ينطقون بثرثرة وإنما ينطقون بحكمة، أولئك هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أثنى الله تعالى عليهم في كتابه بقوله: " محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً ".