عظمة العلم أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

عظمة العلم لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٩

وقد تفشت الأمّيّة في الجزيرة العربية التي بُعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الحياة فيها حياة بدائية إذ لم تكن العرب تعرف من الحضارة إلا طعم الماء البارد وإلا الاستظلال بظل الخيام أوالأشجار من بعد عن لفح الصيف في أيام شدة القيظ. هكذا كانت الأوضاع في هذه الجزيرة العربية. وإذا بالرسول النبي الأمي ينفخ روح العلم بين هؤلاء الأميين، وإذا بهم فجأة يتحولون من الجهل إلى العلم ويتحولون من التشتت إلى الاجتماع ويتحولون من الحيرة إلى البصيرة، فاجتمع شتات هذا العدد المتناثر من العرب وانتظموا جميعاً في سلك العقيدة الحقة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنارت بصائرهم بنور العلم والمعرفة، فخرجوا في أصقاع الأرض ينشرون مبادئ الرحمة بين الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، يدعون إلى سواء الصراط، لم يكن همهم ما ينالونه من الغنائم المادية إذ الدنيا عندهم لا تساوي شيئاً بل تساوى في موازينهم تبرها وترابها كما تساوى في نفوسهم عذبها وعذابها، فكانوا يهدفون إلى إقامة الحق في الأرض، كل همهم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك قال قائلهم عندما قيل لهم ما الذي جاء بكم؟: ( إن الله قد بعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ).فذاقت الإنسانية طعم العدل وعرفت قيمة حياتها وأدركت أسرار خلقها بإجشار هذا النور على أيدي أولئك الأميين في أصقاع الأرض. أولئك قومٌ رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا القرآن الذي أُنزل عليه، فكان القرآن يتمثل في كل جزئية من جزئيات حياتهم فضلاً عن كلياتها، لأن خلقهم كان انعكاساً لخلق الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلق النبي صلى الله عليه وسلم كما قالت السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- كان القرآن.

٩ / ٢٦