عظمة العلم لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٢٢هذا المثل كما انطبق على أهل الكتاب ينطبق على هذه الأمة إن لم تتحمّل أمانة القرآن بحق وإن لم يكن هذا القرآن يتمثل واضحاً جلياً في تصرفاتها وفي أعمالها؛ ومن هنا كان الواجب على طالب العلم أن يتقي الله سبحانه وتعالى وأن يخلص له عمله وأن يخلص له طلبه للعلم وأن يعيش ما بين زملائه وما بين إخوانه وفي مجتمعه وما بين أمته مشعل هداية يرى الناسُ الحق ماثلاً في سلوكه ويدعو الناس إلى الحق بأعماله أكثر مما يدعوهم بأقواله، وهكذا كان السلف الصالح، فالذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على مائدة القرآن إنما كانوا يتمثلون هذا القرآن، كانوا أحرص ما يكونون على تجسيد تعاليمه وقيمه وترجمة هدايته ومراشده في كل تصرفاتهم وفي كل أعمالهم، فلذلك انساق الناس إلى اعتناق هذا الدين ودخلوا فيه أفواجاً بقناعتهم بأن هذا الدين الذي شاهدوه في سلوك الدعاة إليه هو الحق المبين، والذين دخلوا في هذا الدين معظمهم ما كانوا يحسنون لغة القرآن التي كان ينطق بها أولئك الدعاة وأولئك الدعاة ما كانوا يحسنون لغة أولئك المدعوين، ولكن كان سلوك الدعاة ذا أثر بالغ في نفوس الناس، فتسابق الناس إلى اتباع هذا الدين ودخلوا فيه أفواجاً بمشيئة الله سبحانه وتعالى، مع أن ذلك العهد كما تعلمون جميعاً لم تكن تتوفر فيه الوسائل التي تتوفر في عصرنا هذا، لم تكن تتوفر فيه وسائل الإعلام التي تتوفر في هذا العصر وإنما كانت وسيلة الإعلام الكلمة وحدها ولكن الكلمة كانت تنبع من أعماق النفس فلا تقف حتى تغوص في أعماق النفس أيضاً؛ وما كانت عندهم وسائل مواصلات التي هي متوفرة في هذا الوقت وإنما كانت وسائل بدائية إما أن يكونوا مشاةً على الأقدام وإما أن يكونوا ركباناً على ظهور الدواب وإما أن يكونوا ركاباً على ألواح البحر، هكذا كانوا يكابدون غصص الحياة في ذلك الوقت ويعانون شدائدها ومع ذلك نشروا كلمة الله في أصقاع الأرض، وكانوا كما يقول نابليون القائد