قطوف اجتماعية (الجزء الأول) بدر بن سالم بن حمدان العبري

قطوف اجتماعية لبدر العبري ج1

الجزء ١ · صفحة ٤٨

لذا اعتبر الله تعالى المرأة جوهرة من جواهر الكون البهيج، فكما لا بد أن يحفظ الإنسان مكونات الكون وإلا تعرض للهلاك والفساد، قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ؛ فكذلك أوجب الحفاظ على الجنس الأنثوي، واعتبرها جزء لا يتجزأ من الذكر نفسه، قال تعالى: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فالذكر والأنثى خُلقا من نفس واحدة، فهما لباسا وجسدا واحدا في أصل الخلق.

وإذا كانت المرأة تتميز بالحنان والرأفة الشديدة تجاه شقيقها الرجل؛ فإنّ الأم هي مصدر هذا الحنان؛ بل هي مصنعه الأول والأخير، فأي حنان أعظم من حنان أمٍ تحملت ما في بطنها أشهرا تسعا، وهي تتألم وتعاني من آثار ذلك الحمل، تحملته وهي كارهة، ولكن الحنان غلب عليها، فصبرت وسكنت، فإذا ما ظهر على الحياة كانت له نعم الرؤوف الحنون، فإن بكى أرضته، وإن اشتكى داوته، وإن اتسخ نظّفته، وإن جاع أطعمته، وإن تعرى سترته، فظلت له وفية كريمة، حتى إذا اشتد عوده، وعظم بناينه، ومع ذلك لم ينقص من حنانها شيئ؛ بل ظلت وفية له، ولو عقها وضربها، وأساء إليها وهجرها.

فحق لهذه الأم أن تكرم، ومن الجمال أن يرد إليها فضلها وجلالتها، وإلا كان الكون الذي نعيشه ونترعرع فيه اليوم أصبح في خبر كان، فحفاظنا وتكريمنا للأم هو حفاظنا وتكريمنا لهذا الكون العظيم، الذي نأكل من خيراته، ونلهو فوق ترابه، ويظلنا بسقفه وسمائه.

٤٨ / ٩٨