قطوف فكرية (الجزء الأول) بدر بن سالم بن حمدان العبري

قطوف فكرية لبدر العبري ج1

الجزء ١ · صفحة ١٣١

بعد ما بين المولى جل جلاله أن الاستعاذة خاصة به، ولا يجوز أن يشرك معه غيره، ويلزم من هذا أتباع أوامر الله جل وعلا، واجتناب نواهيه، ومراقبة الله في السر والعلن، حتى يكون الإنسان في حرز الله وعنايته، ثم بعد هذا يبين الله الوجه المقابل من الصراع فعندنا طائفتان طائفة مستهدفة وهم عموم الناس، وطائفة تسعى لإضلال الناس، وهم شياطين الإنس والجن، والنتيجة أن الناجي من اعتصم بالله، والهالك من اتبع شياطين الإنس والجن، وهذا ما يقرره القرآن فالله تعالى يقول في آية أخرى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وأن الله لمع المحسنين"، فالهداية والاستقامة على دين الله الحصول عليها لا يأتي بالتمني بل لا بد من مجاهدة، ولفظة مجاهدة يدل على أن هناك صراع، وهذا الصراع هو الذي تفسره سورة الناس، وطريقة المجاهدة يعني كما أسلفنا مراقبة الله في كل حين مع الالتزام بأوامره، واجتناب نواهيه، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ".

من خلال الآية نطرح سؤالين:

السؤال الأول: لماذا أضاف الله الوسواس إلى شر ولم يقل من الوسواس مباشرة؟

الجواب: في هذا تأكيد على أن شياطين الإنس والجن لا يصدر منهم خير، وإن صدر منهم هذا إنما يريدون به الشر، مثال ذالك مصطلح الحرية الذي يتغنى عليه الغرب هو في ظاهره خير، ولكن يقصدون بهذا المصطلح الشر، يقصدون به هدم الأخلاق وانتشار الرذائل وفي هذا يقول تعالى (وزين له سوء عمله فصد عن السبيل).

السؤال الثاني: لماذا استخدم القرآن مصطلح الوسواس الخناس ولم يستخدم مصطلح الشيطان مباشرة؟

الجواب: هذا دليل على أن شياطين الإنس والجن لا يبعدون الناس عن الهداية مباشرة، وإنما هنا خطوات يتبعونها، وفي هذا يقول تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين " فالشيطان لا يوقع الإنسان في الزنا المحرم وإنما يبدأ من الخطوات الأولى، وفي هذا يقول شوقي:

١٣١ / ١٥٠