قطوف فكرية (الجزء الأول) بدر بن سالم بن حمدان العبري

قطوف فكرية لبدر العبري ج1

الجزء ١ · صفحة ٦٥

وما مضى من أمر الأمة من خلاف وشقاق، لا يجوز أن يجعل قاعدة لحاضرها لتواصل الشقاق والتحزب، والبغض والتفسيق، فالأمة الحاضرة لا يسألها الله – تعالى – ماذا فعل السابقون، وماذا جنوا؟ يقول – تعالى -: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون"، فالله أوحى إليهم كما أوحى إلينا، وما وقعوا فيه حسابهم عند ربهم، ولا يجوز أن نجعل من أنفسنا حكما عليهم؛ بل علينا أن ننظر في أنفسنا بعين التدبر والتأمل، وأن نسعى في التوحيد وإصلاح الشقاق بالتمسك بهذا الكتاب العظيم يقول – تعالى -:"كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب".

التسامح في التأريخ الإسلامي

لقد ظهر التسامح في التأريخ الإسلامي، وتمثل هذا في شخص الرسول – صلى الله عليه وسلم – الذي قال الله – تعالى – فيه: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وهو الذي جعل شعاره: "بُعثت بالحنيفية السمحة"، وعلى هذا كان الصحابة الكرام، والسلف العظام، وقد ظهر هذا التسامح في عدة سلوكيات دونها التاريخ، ومن هذه الأمثلة:

1. إنَّ المصطفى – عليه الصلاة والسلام - استقبل وفد نصارى الحبشة، وأكرمهم بنفسه وقال: "إنَّهم كانوا لأصحابنا مكرمين، فأحبُّ أنْ أكرمهم بنفسي".

2. كان الرسول - عليه الصلاة والسلام - يحضر جنائز أهل الكتاب، ويشيّع جنائزهم، ويعود مرضاهم ويزورهم ويكرمهم، وعندما زاره وفد نجران فرش لهم عباءته للجلوس.

3. إرشاد النبي – عليه الصلاة والسلام - في الحرب: "انطلقوا بسم الله وعلى ملّة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا ولا امرأة".

4. كان عمر بن الخطاب يتجول في شوارع المدينة، يتفقد أحوال الرعية، فرأى شيخا كبيرا يتسول فسأل عن أمره، وعلم أنّه يهودي فحزن لأمره، وأمر أن يخصص له ولنظرائه معاشا ثابتا من بيت مال المسلمين.

٦٥ / ١٥٠