الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٥مع.
﴿110﴾
من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي جلاله الباهر وسلطانه القاهر - هي ربوبية رحمة وإنعام وفضل وإحسان، ويقوي هذا التعادل إذا ما قلت مَلِكِ يَوْمِ الدِّين واستشعرت خطورة ذلك الموقف الذي تمثل فيه بين يدي رب العالمين، وقد تجردت من كل ما خولته في الدنيا، وقطعت جميع علائقك بأحبابك ونصرائك فيها، لتعرض عليك أعمالك السيئة والحسنة فلا يخفى منها خافية، وأنت بين الجنة والنار، أولهما عن يمينك والثانية عن شمالك، لا تدري إلى أيهما منقلبك والله بك محيط لا مهرب لك عنه، ولا نصير لك دونه، وفي شعورك بهذا تقوية لعزائم الخير في نفسك، وكبح لعزائم الشر التي يمليها عليك هواك.
فإذا قلت {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، أحسست بتضاعف الهيبة، لأنك انتقلت إلى خطاب الله تعالى خطاب الحاضر، ومضمون الخطاب نفسه يستلزم منتهى الخضوع والوصول إلى أقصى حد في التواضع، لأن معنى خطابك تقديم عبادتك إليه تعالى وهو غني عنك وعنها، وإنما هي وظيفتك التي لأجلها خلقك، ورفع قدرك بما بسط لك من نعمه، وسخر
لك من خلقه، فقيامك بها إنما هو شرف لنفسك، ومنفعته عائدة إليك. وهذا الخطاب منك يقتضي عدة أمور منها صدق المقال، وإخلاص السريرة، وتعظيم المقام، والاستمرار على الخضوع المطلق للمعبود، وطاعته الدائبة، والعطف والرحمة بعباده. فإن الله علمك في هذا الخطاب أن تشرك مع غيرك من عباده العابدين، ولم يعلمك أن تخاطبه بصيغة فردية، نفسك التي تقتضي استقلالك عنهم، وفي هذا ما يقتضي وحدة الأمة المؤمنة القائمة بعبادة ربها، وحدة عامة في الشعور والإحساس، وفي القول والعمل، وفي المبادئ والأهداف، وفي الآلام والآمال -
فإذا قلت وإياك نستعين شعرت بقيمتك عند خالقك، إذ لم يجعل بينك وبينه وسائط تستعين بها في طلب محبوب أو أتقاء مخوف، كما أنه لم يجعل بينك وبينه وسائط تعبدها، دونه فالعبادة والاستعانة خاصتان.
به
تعالى،