مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١لقد كان للوقف دور رائد في حضارة الإسلام، ولا يزال، رغم المنافسة التشريعية للأنظمة الحديثة، والمضايقات المدسوسة من المستعمر وأذنابه لتدمير الوقف، وتشويه سمعته بمختلف الحيل والأساليب.
ولا ينكر أن مؤسَّسة الوقف بحاجة إلى تطوير وسائلها، سعيًا لاستثمار أفضل لأموالها، حتى تحقق أقصى المنافع التي ارتجاها الواقفون، وابتغوا لأجلها المثوبة والفضل الجزيل.
ولم يكن نظر الإسلام إلى المال قاصرًا على شأن الفرد وحده، بل نظم مال الأمة كلها، جماعة ودولة، ووضع أسس تحقيق التوازن في هذا المال بما يحول دون العجز ودون التخمة في موارد المال، ويقضي بتوظيف هذه النعمة في تحقيق خير الأمَّة كلها.
ومن لطائف القرآن في مجال المال، إرشاده إلى توثيق المعاملات حفظا للحقوق ومنعا من التنازع والخصام، لأن المعاملات شرعت لقضاء المصالح من جهة، ولتوثيق العلاقات وتوطيد أسباب الاستقرار والتلاحم بين أبناء المجتمع من جهة ثانية. فكان فقه هذا التشريع الحكيم من أسباب ترسيخ الإيمان، ببيان ما تضمَّنه من حكم ومقاصد، وما يحقِّقه من منافع للناس قد لا يتفطن لها إلا من أوتي بصيرة ونفاذا إلى أسرار التشريع.
ثم تعطف بنا ورقات هذا العدد إلى التاريخ، وتكشف عن معالم ميزاب في ظل الحكم العثماني، وكيف كانت علاقته بـ”دايات“ الجزائر خلال ثلاثة قرون من تلك الخلافة التي كانت رحمة على بلاد المغرب، رغم ما اعتراها من وهن وقصور في بعض العصور.
ويأتي الاستعمار الفرنسي ليخيِّم ليل الظلم والجهل والاستعباد على أرض الجزائر، فيفر بعض أبنائه بدينهم وأنفسهم طلبا للأمن في بلاد مجاورة وأخرى بعيدة، وكان لتونس فضلُ احتضان عدد غير يسير من الجزائريين، وكان للميزابيين حظُّهم في هذه الهجرة، خلال حقبة الاستعمار، وكان لهم حضور ونشاط في تلك الديار، وثمة وثائق حفظت جانبا من هذا التاريخ وما فيه من أحداث وأحاديث، نجد بعضها في ثنايا هذا العدد، تتلوه كشوف لتلك الوثائق في أعداد لاحقة بإذن الله.
ثم تستذكر أقلام الدورية أمجاد رجال خلَّدوا صفحات تتيه على الزمان، وتقلب أوراق ماض تليد، لتبعث منه عزة وانبعاثا نحو غد سعيد، منها ما كان