مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠هذا الدستور الذي أعجز الإنس والجنس مجتمعين، وتطاولت الأزمان والعلماء يكشفون أسرار إعجازه كل حين، ولا يزال غضا طريًّا، تتجدَّد غرائبه، ولا تنقضي عجائبه.
وكان رسول الله أول من فسر القرآن، وعنه أخذ الصحابة تفسير معناه، وانطلق العلماء في إعلاء صرح التفسير عبر القرون، ولا تزال جهود العلماء تستجلي أسراره كل حين.
وعرفت الجزائر في فجر إسلامها مفسِّرًا من جبال الأوراس، هو هود بن محكّم الهواري، الذي خلَّد أول تفسير جزائري للقرآن وصلنا كاملا، وقد حظي بجهود التحقيق والدراسة والنقد، في رسائل أكاديمية محترمة، نجد صدى بعضها في ثنايا هذا العدد.
والقرآن عظيم لأنه تنزيل من عظيم، وهو كتاب هداية أولا وأخيرا، وهدايتُه وجهٌ من أوجه إعجازه، ويظل هذا الوجه بحاجة إلى وفقة تأمل وتدبر، تحمل المرء على تعظيم مُنزِّل الكتاب إذعانا، وتزيده بالله الخالق إيمانا.
كما أنه دستور استوعب مجالات الحياة، ومنح المسلمين أسباب القوة والتمكين، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها في سبيل تحقيق هذا الهدف النبيل.
وقد اهتم بميدان المعاملات ووضع معالمها، وضبط للناس أسُس قيامها، فكان معجزا في تشريعه المالي، وما سنَّه من أحكام لحفظ المال واستثماره بصورة تدعو إلى العجب؛ إعمارًا للأرض وتثمينا للجهود، وتوطيدًا للعلاقات، وإرساء لدعائم الاستقرار والعدل بين الناس.
وفقه المال كما حدَّده القرآن مجال جدير بالدراسة والبحث، نال من اهتمام علماء الإسلام جهودا طيبة، تزيد المؤمن إيمانا بعدالة نظام الإسلام، وحتميته لتحقيق توزيع عادل للثراء، وعيش كريم للبشرية جمعاء.
وقد فتح للجهاد بالمال أبوابا عديدة من أهمها مجال الأوقاف، وحبس المال لمنفعة عامة للمسلمين. وأوجه المنافع عديدة تتوزع ميادين الحياة وأصناف الناس، فقراء وطلبة علم وفدوا إلى معاهده أفواجا، ومسافرين في الأرض وحجاجا، ومرضى يبتغون علاجا.