مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

إلى السلطات العسكرية الفرنسية حين يقول: «فنحن بنو مزاب على ما نسمع من أوائلنا أنهم دخلوا الجزائر (العاصمة) مع الترك في يوم واحد، فصاروا يخدم (كذا) صنائعهم ويعمرون بلادهم، فنسبت تلك البلاد إلينا كما نسبت إلى الترك، فصار بيننا وبينهم حسن المعاشرة والمحبة العظيمة، فصاروا لا يأمنوا (كذا) في تلك العمالة إلا بني مزاب، ولا نباع عندهم لا بالقليل ولا بالكثير، سلطان عن سلطان، ديوان عن ديوان، لأننا كالجسد الواحد، فمن أراد شرهم أراد شرنا».

وإذا كان تجار بني مزاب وعمالهم قد وجدوا الطريق للعيش في العاصمة وقسنطينة والمدية وغيرها من مدن الشمال، فإن علماءهم قد ظلوا ينتجون علوما مختلفة ويؤلفون تآليف متنوعة(1)

(1) أبرز علماء هذا الزمان امحَمَّد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن إسماعيل بن محَمَّد بن عبد العزيز بن بكير الحفصي، اطفيَّش (و: 1237هـ / 1821م - ت: السبت 25 ربيع الثاني 1332هـ / 1914م).من عائلة شهيرة بالعلماء من بني يسجن، من عشيرة آل بامحمَّد، وينتهي نسبَه إلى عمر بن حفص الهنتاتي، من العائلة الحفصيَّة المالكة بتونس بين (625 - 983هـ/ 1229 - 1574م)، ولد بغرداية لَمَّا انتقل إليها والده، وعاش بها طفولته الأولى، وفي الرابعة من عمره توفِّي والده، وتركه يتيما تحت كفالة والدته. توسَّمت فيه بوادر النبوغ، فعهدت به إلى أحد المربِّين لحفظ القُرْآن، فختمه وحفظه وَهو ابن ثمانِ سنوات، ففتح له مجال العلم، وسارع إلى دور العلماء وحِلَق الدروس بالمسجد. فأخذ مبادئ النحو والفقه عن أخيه الأكبر: إبراهيم بن يوسف. وتلقَّى مبادئ المنطق عن الشيخ سعيد بن يوسف وينتن. وكان يحضر حلقة الشيخ عمر ابن سليمان نوح مع أخيه إبراهيم، وحلقة الشيخ الحاج سليمان بن عيسى في دار التلاميذ اليسجنيِّين. كما كان يحضر دروس الشيخ بابا بن يونس في مسجد غرداية.

بعد أخذه لِهذه المبادئ، شمَّر على ساعد الجدِّ والتحصيل، بعزيمة لا تعرف الملل، يؤازره ذكاء حادٌّ، وذاكرة وقَّادة، ورغبة في العلم لا تعرف الحدود. نشأ عصاميًّا، لم يسافر للدراسة خارج موطنه، وجعل دأبَه الحرصَ على اقتناء الكتب واستنساخها، يجتهد في طلبها واشترائها من كُلِّ البلدان، رغم قِلَّة ذات اليد، وصعوبة الاتِّصَال. فتجمَّعت لديه مكتبة غنيَّة، تعتبر فريدة عصرها بالنظر إلى ظروف صاحبها، وبُعده عن مراكز العلوم والعمران. وَمِمَّا ساعده على التحصيل: اقتناؤه لبعض خزائن العلماء، منها خزانة الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني، وقد تَزَوَّجَ امرأة علِمَ أنَّهَا تملك مكتبة ثريَّة ورثتها عن أبيها. وما كاد يبلغ السادسة عشرة، حَتَّى جلس للتدريس والتأليف، وَلَمَّا بلغ العشرين أصبح عالِمَ وادي ميزاب، ثمَّ بلغ درجة الاجتهاد المطلق في كهولته، كما يذكر ذلك بنفسه في كِتَابه: «شامل الأصل والفرع».

أنشأ القطب معهدا للتدريس ببني يسجن، تخرَّج فيه علماء ومصلحون ومجاهدون، انبثُّوا في أقطار المغرب والعالم الإسلاميِّ،

له منهج في التدريس يعتمد على استغلال الوقت،. تستمرُّ دروسه طيلة أَيَّام الأسبوع، من الضحى إلى الزوال، إِلاَّ يوم الجمعة، ثمَّ دروس في المساء بعد العصر. ولا يدرِّس في اللَّيل إِلاَّ الغرباء والنجباء والمتفوِّقين؛ لأنَّه كان يخصِّص اللَّيل للتأليف والإجابة عن الرسائل والاستفتاءات المتهاطلة عليه؛ وكان غزير المَادَّة، طويل النفَس، متفانيا في العلم، يدرِّس أحيانا أحد عشر درسا مختلفا في اليوم الواحد.، ويولي عناية خَاصَّةً لأسئلة تلاميذه، فيكتبها ويحقِّق مسائلها، ولا يعجز عن الرجوع إلى المصادر، ولو أثناء الدرس.

بهذا المنهج في التعليم، والسعة في العلم، انهال عليه الطلبة من مختلف الأقطار الإسلاَمِيَّة، وصدروا عنه، وكلُّهم رجال عاملون في مختلف مواقع الحياة: تأليفا، وتعليما، وقيادة، وقضاء، وإصلاحا. وبلغ عدد تلاميذه العشرات، من أشهرهم:

من ميزاب:

إبراهيم اطفيَّش، أبو إسحاق: نزيل القاهرة العالم المحقِّق، إبراهيم الابريكي. إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان رائد الصحافة العَرَبِيَّة في الجزائر. اعمارة بن صالح بن موسى. بابكر بن الحاج مسعود. داود بن سعيد بن يوسف. صالح بن عمر لعلي. عمر بن حمُّو بكلِّي. عمر بن يحيى ويرو المليكي. محَمَّد بن سليمان ابن ادريسو. الناصر بن إبراهيم الداغور. يوسف حدبون.

أَمَّا من ليبيا: فيُذكَر المجاهد بالسيف والقلم الداعية: سليمان باشا الباروني.

ومن تونس: المؤرِّخ سعيد بن تعاريت.

ومن المدينة المنوَّرة: أحمد الرفاعي.

وغيرهم كثير مِمَّن بلغ المشيخة.

تآليفه:

ومن أهمِّ آثار الشيخ اطفيَّش تآليفه التي أغنى بها المكتبة الإِسلاَمِيَّة، كمًّا ونوعا، إذ تبلغ الثلاثمائة مؤلَّف، ما بين كِتَاب ورسالة.

وصفه تلميذه أبو اليقظان بِأنَّهُ «لا يُعرف إِلاَّ في تدريس علم، أو تأليف كتب»، فألَّف في بني يسجن، والقرارة، ووارجلان، وبريان، والحجاز، وَفي السفينة قاصدا الحجَّ. وشملت تآليفه مختلف فروع المعرفة، في المنقول والمعقول:

في تفسير القُرْآن، و في التجويد وفي الحديث وفي السيرة النَّبَوِيَّة وفي التوحيد وعلم الكلام و في أصول الفقه وفي الفقه: وَهو أوسع مجالات تأليفه و في البلاغة وفي المنطق وفي الطبِّ والفلك والحساب وفي الشعر و في الخط. أما-في التاريخ فقد ألف

«إزالة الاعتراض عن محقِّي آل إباض»، (مط).

«الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان»، (مط).

«الرسالة الشافية في بَعض تواريخ وادي ميزاب»، منه نسخة مختصرة (مط)، وأخرى موسَّعة (مخ).

«السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة»، (مط).

«الغَسول في أسماء الرسول»، (مط).

وله تآليف في مواضيع أخرى مختلفة منها:

«تفسير ألغاز»، (مط).

«خطبتا العيدين»، (مخ).

«شرح المخمَّسة»، (مخ).

«شرح لغز الماء»، (مط). وَهو حلٌّ للغزٍ نال به وساما عالميًّا، عجز عن حلِّه علماء العالم.

له من الأجوبة والفتاوي عدد هائل، جمع بَعضها الشيخ عمر بن يوسف اليسجني، ولا يزال أغلبها مخطوطا، ومتفرِّقا بين المكتبات، وتعدُّ مرجعا فقهيًّا هامًّا، خَاصَّةً في نوازل عصره، نذكر منها ما يلي: «أجوبة لأهل عُمان»، (مخ). «جواب أهل زوارة»، (مط).

«جواب إلى محَمَّد بن عبد الله الخليلي»، (مخ). «جواب مشايخ مَكَّة»، (مط). راسل القطب علماء من مختلف مدن الجزائر، ومن= =خارجها. راسل شخصيَّات من البحرين، والحجاز، وعُمان، ومصر، وتونس، وجبل نفوسة، وجربة، والجزائر، وفاس، والقسطنطينيَّة، وَبَعض العواصم الأوروبيَّة. ولو جُمعت هذه الرسائل لألَّفت مُجَلَّدات فيها من أنواع العلوم، والأخبار التَّارِيخِيَّة الهامَّة، ما يصلح لدراسات أكاديميَّة متخصِّصة، نذكر منها على سبيل المثال: «رسالة إلى الوالي العام الفرنسي بالجزائر»: مؤرَّخة في ربيع الأَوَّل 1304هـ بقسنطينة، محفوظة في أرشيف إكس أون بروفونس. و «مجموع الرسائل»، (مخ).و «مجموع رسائل بين القطب والإدارة الاستعماريَّة»، (مخ). ولم يقصر الشيخ جهوده في هذا المجال، بل اهتمَّ بالإصلاح الاجتماعيِّ، ومحاربة الجهل والبدع، وَتولَّى= =رئاسة مجلس العَزَّابَة ببني يسجن. كما تولَّى منصب القضاء، ثمَّ اعتزله لَمَّا بسط الاستعمار الفرنسيُّ نفوذه على منطقة ميزاب سنة 1882م. وكان القطب عدوًّا عنيدا لفرنسا، وَمِمَّن وقف بقوَّةٍ في وجه الاحتلال، ودعا إلى مقاطعة المستعمر وعدم التعامل معه، وكان مؤيِّدا للخلافة العثمانيَّة ــ على ما داخل نظامها من انحراف ــ لأنَّهَا كانت تمثِّل وحدة المسلمين. له مراسلات مع السلطان عبد الحميد الثاني

شهد له بالرسوخ في العلم علماء كثيرون: منهم الشيخ محَمَّد عبده، والشيخ زيني دحلان، وَبَعض علماء الحجاز.

ولقَّبه الشيخ نور الدين السالمي ــ مجدِّدُ العلم بعُمان ــ بـ «قطب الأيمَّة».

توفِّي بمرض دام أسبوعا، بعد أن قضى قرابة قرن في الجهاد العلميِّ، والإصلاح الاجتماعيِّ. للمزيد انظر معجم أعلام الإباضية، المرجع الساب

١٣٢ / ٣٤٢