مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٦

قمّة احتدام المشاعر، وفي صدد تمرير رسالة معيّنة محدّدة. فهو يُرْكِبُ مشاعرَه هذا الأسلوبَ ليختصر المسافة بينه وبين المتلقّي، ويصل به الهدف الذي يرمي إليه بسرعة. من هذه الألفاظ: (قرآن، حجّ، وحي الله، عرش الله، وعد الله، صدر الغيب … ) و (قحطان، هاروت، جان، طغيان، كلمي … )

هذه الكلمات، وهذا الاعتداد، وهذه الجرأة، وهذه الثّقة الكبيرة … دفعته أن يقول:

وأوقفتُ ركب الزّمان طويلاً

أسائلهُ عن ثمودٍ وعاد

وعن قصّة المجد، من عهد نوحٍ

وعن إرمٍ .. هي ذات العماد

فأقسم هذا الزّمان يَمينًا

وقال: الجزائر، دون عناد(1)

هذا الإصرار الكبير على تقرير هذه الحقيقة، وهذا الاعتقاد الجازم، الذي لا يتطرّق إليه شكّ: أنّ الجزائر لا تجاري ولا تبارى في مكانتها، وفي جلالها وجمالها. شجّع الشّاعر مفدي زكريّاء أن يأمر مخاطبيه أن يذعنوا للجزائر، وأن يسجدوا لها، لمجرّد سماع اسمها. وجرّأه أن يصفها بأوصاف غاية في القداسة والجلال:

وقل: الجزائر، واصغ إن ذكر اسْمُها

تَجد الجبابر ساجدين وركّعا

إنّ الجزائر في الوجود رسالة

الشّعب حرّرها، وربّك وقّعا

إنّ الجزائر قطعة قدسيّة

في الكون، لَحّنها الرّصاص ووقّعا

وقصيدة أزليّة، أبياتها

حمراءُ .. كان لها نُفَمبر مطلعا

نظمت قوافيَها الجماجمُ في الوغى

وسقى النّجيعُ رويّها فتدفّعا

غنّى بها حرّ الضّمير، فأيقظت

شعبًا إلى التّحرير شَمّر مسرعا

سمع الأصمّ رنينها فَعنا لها

ورأى بها الأعمى الطّريق الأنصعا(2)

" نقرأ في هذه الأبيات الإصرار على التّمسّك بالأرض، والوفاء للوطن، ونقرأ فيها التّقديس والتّعظيم للمنبت، ونسجّل في هذه المبالغةِ والتّصويرِ والتّقديرِ الصّدقَ والوفاءَ والمعاهدة على مقاومة كلّ ما يقف في طريق حبّ الوطن، والهيام به،

(1) - إلياذة الجزائر، ص: 57.

(2) - اللّهب المقدّس، ص: 58.

٢٢٩ / ٣٤٢