مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧والعمل على نصرته. إنّ ذلك جزءٌ من التّعبير عن الهويّة والقومية."(1).
إنّ الشّاعر بهذا التّصوير والوصف والتّقرير يتحدّى الاستعمار، ويردّ على استفزازات المحتلّ الفرنسي، ويتصدّى لمحاولاته اليائسة محو آثار وجود كيان اسمه (الجزائر). وكان يصرّ على التّشبّث بالأرض، والوفاء للوطن، والتمسّك بالولاء للأصول. كلّ ذلك يدخل في صميم الحديث عن الهوية.
كان الشّاعر أحيانًا يكنّي ويرمز إلى الجزائر، ويخاطبها مخاطبة المتغزّل بها، بما يسمّى (الغزل السّياسي). إمعانًا في إظهار مدى تعلّقه بها، فهي حبيب وخليل، وعشيق وعشير، يستحقّ التّودّد والتذلّل والشّكوى له ومنه. يتقدّم إليه الشّاعر بكلمات هي من صميم لغة المحبّين العاشقين المتيّمين. مثل (الهوى، صبابة، مهجتي، لوعتي، الوصل، حديث الفؤاد، خفوق … ) قال يناجي ويشكو سنة 1930م، تحت عنوان: " خفقة فؤاد: زهرات ضائعات في صفحات ضائعات":
رسولَ الهوى بلّغ سلامي إلى سلمى
وعاطِ حُمَيَّا ثغرها الباسم الألمى
وناجِ هواها، علّ في الغيب رحمةٌ
تدارَكُ هذا القلبَ أن يقضي هَمّا
وبثَّ شكاةً من مشوقٍ مُتيّمٍ
له كبدٌ حرَّى تضيق به غمّا
فكم تحت هذا القلب من لاعج الجوى
وكم بين هذا الجسم من أضلع كلمَى
ألا ليت هل يدري الحبيب كآبتي؟
فينصفَ لي شكوى ظلامتي العظمى
ويا ليت شعري، هل به ما بِمهجتي؟
و يا لهفَ نفسي، هل بأضلعه مِمّا ..
بلادي بلادي ما ألذّ الهوى، وما
أمرَّ كؤوس الحبّ، ممتزجًا سُمّا
بلادي، ألا عطفٌ عليّ بنظرةٍ
حنانيك، ما هذا السّنُوُّ ولا إثْما(2)
أيّ غرام يسكن قلب الشّاعر نحو وطنه! أيّ هيام يشدّ جنانه ببلده! أيّ هوى يقبع في فؤاده لبلاده! … لا تفسير لكلّ ذلك سوى التّعلّق بالوطن، والحبّ الشديد له،
(1) - الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، الشّعر والهوية القومية، منشورات التّبيين/ الجاحظية، الجزائر، 1999م، ص: 19.
(2) - أمجادنا تتكلّم، ص: 89 – 91.