مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٤٢

كي تحسّ بما يحسّ به هو، ويشعر؛ فتثور على ما يمسّ سيادتها، وينال كيانها، ويخدش هويتها. فيضمن المحافظة على أصالتها.

هذه اللّفتة، وهذا التّناول، يدخلان ضمن رسالة الشّاعر الوطنيّة، وهي توعية النّاس بضرورة الثّورة على كلّ مغتصب للأرض، وكلّ معتد على الحمى. وكلّ مستهتر بالهوية، وكلّ مستهين بالأصالة.(1)

6 – تعامل الشّاعر مع اللّغة العربية تعاملاً قوميا

ضمن الرّسالة القومية التي تحمّلها الشّاعر، حاول الارتقاء باللّغة العربية لتنهض بالثّقافة الإسلامية، وتركّز الهوية في النّفوس. فكان في هذا الاستعمال يستغلّ العاطفة الدّينية في المتلقّين والمخاطبين، فيقدّم أفكاره ومشاعره في سياق من الألفاظ القرآنية التي تحمل دلالات تعين على إثارة عاطفة، أو تساعد على تصحيح فكرة، أو تسعى إلى زرع أمل ونزع يأس، وتحثّ على النّهوض لمقاومة الظّلم والانحراف، والقيام من الكبوة، والخروج من التّخلّف، ممّا كان القرآن الكريم قد استعمل فيه هذه الألفاظ اللّغوية، أو كان الشّاعر يوجّهها لتخدم غرضه.

أحسّ مفدي زكرياء – ومثله الشّعراء الجزائريّون –بالخطر الذي يهدّد اللّغة العربية، وبالتّبع ينذر بمصير مشؤوم للإسلام، ومآل مجهول للهويّة. فقاموا بمحاولات جادّة لتدارك الوضع، فكان من بين المبادرات الرّائدة الجادّة محاكاة الأساليب البيانية العالية، كالقرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف والأدب العربيّ الرّفيع … وقد كان دافعهم في ذلك دينيّا اجتماعيّا قوميّا، وهو إنقاذ الثّقافة العربيّة الإسلامية من التّردّي والاستلاب. ثمّ نفسيًا، وهو الخروج من الغربة الفكرية؛ بالعمل على الارتباط بالأصول الحقيقية، عن طريق الاغتراف من المنابع الصّافية. وهذا ما يضمن سلامة الانتماء، ويثبّت صحّة الهوية.

فهم مفدي زكرياء – مثل شعراء الأصالة – " من الهجوم

(1) - ينظر الشّعر والهوية القومية، ص: 32 – 38.

٢٣٥ / ٣٤٢