مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧نفس المستوى الإحاطة بالدراسات الاقتصادية الفنية الدقيقة والنظم المالية المعاصرة. ومما شجعني على اقتحام هذا الموضوع أني وفّقت للجمع بين الدراسة الاقتصادية والشرعية في دراستي الجامعية.
إن أهمية الموضوع ليست في حاجة إلى بيان، فالموازنة هي المؤشر الأساسي في تقييم وضعية اقتصاد الدولة، فعليها يقع العبء الأكبر في توجيه الموارد وتخصيصها، ومن خلالها يتم توزيع خيرات الأمة على مختلف القطاعات والشرائح، ويتم تمويل المشاريع وتسيير دواليب الدولة. وكانت الدوافع التي حفزتني للاهتمام بالموضوع نابعة من واقع اطلاعي أن العجز في الموازنة هو الطابع السائد في أغلب موازنات العالم، بدءا من أغنى دولة وأقواها اقتصاديا الولايات المتحدة الأمريكية، إلى بلدنا العزيز –الجزائر-
فالعجز يعبر عن حقائق مرّة، إذ يعني، أننا نستهلك أكثر مما ننتج أو نعيش على حساب الآخرين، أو الأجيال اللاحقة، إلى جانب سلبياته الاقتصادية والاجتماعية المتعددة. فالعودة إلى التوازن إذن يمثل أبرز التحديات التي تواجه الدول المعاصرة، ومن أعقد المشاكل الاقتصادية، ويزيد من أهمية الموضوع أن الدولة في العصر الحاضر لم تعد مجرد حارس للأمن فحسب، وإنما هي صانعة للتنمية، ومسؤولة عن الرفاه الاجتماعي والمحافظة على التوازن.
إن الموازنة العامة تندرج في إطار علم المالية الذي يعني بدراسة إيرادات الدولة وسبل تعبئتها، ويضع أساليب وسياسة إنفاقها للوفاء بالحاجات العامة، في إطار خطة وبرنامج مهيكل ومنظم بموازنة تضبط كلا من الإيرادات والنفقات.
وقد مرت الموازنة في الفكر المالي الحديث بمراحل متعددة، فالتقليديون يركّزون على موازنة متوازنة ماليا، وتتلاءم مع فكرة القانون الطبيعي والتوازن التلقائي. ومع التطور الاقتصادي في العصر الحديث أصبحت الموازنة تلعب دورا رياديا في ظل الدولة المتدخلة والمنتجة، فسمحت بالعجز المنضبط. أما الفكر المالي الإسلامي فإنه لم يعرف مفهوم الموازنة بما