مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٤٦أما بعد: فيا عمار بيت الله ويا أحباب رسوله؛ أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فالتقوى هي السلاح الأقوى، قال تعالى في محكم تنزيله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَالِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27].
معاشر المسلمين الأعزاء بدأنا نستنشق ذكرى ميلاده صلى الله عليه وسلم، ولا زالت ألسنة وأقلام مسمومة تفتري على الرسول صلى الله عليه وسلم زورا وبهتانا، تكدر صفونا وتطال من شخصه العظيم، ومع ذلك نقول: "رب ضارة نافعة"، وقديما قيل: "إذا أراد الله نشر فضيلة طويت، أتاح لها لسان حسود".
فتعالوا معي نقلب الفكر ونمعن النظر لنعيش بعض دقائق لنرى عظمة القرآن وجلال القرآن، في سيرة النبي الزكية العطرة، نحن الآن مع رسول الله، المكان مكة المكرمة، الزمان الثامنة للهجرة، الحدث الفتح المبين.
إخوة الإيمان لقد تحقق وعد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فدخل أم القرى ظافرا منتصرا، وهاهو لم يبغ ولم يطغ، وانظروا كيف يدخلها متواضعا منكسرا لجلال الله وكماله، وفي غمرة هذا النصر المؤزر يرى من بعيد قدوم سيدة عجوز أثقل العمر ممشاها، وعبث الدهر بها فنكّسها في الخلق، وأحنت ظهرها السنون، لكنها مع ذلك لم تتأخر عن الحضور لملاقاة زوج أعز الناس إليها، وقبل أن تصل إليه يتجه إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد ترك كل هذا المجد والفخار والآلاف من البشر، فيا ترى من تكون هذه السيدة العجوز التي تحظى بكل هذا التكريم والتشريف من القائد خير خلق الله.
إخوة الإيمان إنها صديقة لواحدة؛ لها في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة طيبة، فانظروا لهذا الحدث وجلاله، والمشهد ومهابته، وهذا المشهد الذي التقطناه لكم يعلمنا فيه مربي البشرية الأول كيف نحترم المرأة وننزلها المنزلة التي تليق بها وبوفائها، يقف الرسول صلى الله عليه وسلم ويكلمها، ثم لا يلبث أن يبسط لها رداءه، ويُجلسها عليه ويجلس معها يحدثها.
إخوة الإيمان هلا قرأنا التاريخ كله قديمه وحديثه عن قائد منتصر فعَل فعْل هذا القائد؟ إنه لدرس حضاري للبشرية كلها، ومشهد فريد وحيد لا مثيل له