مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٤٧في تاريخ العظماء الخالدين، وها هي أمنا عائشة رضي الله عنها تشاهد هذا وتعيشه كغيرها، إلا أن لها رأيا آخر وتساؤلا مختلفا فقالت: " يا رسول الله من تكون هذه المرأة العجوز التي تحظى بهذا الاحترام والاهتمام"، فيجيب قائلا: "إنها صاحبة خديجة رضي الله عنها"، ولم تكتف عائشة بهذا التساؤل فتضيف قائلة –تدفعها إلى ذلك غيرتها كزوجة-: "وفيم كان حديثكما يا رسول الله؟ " فقال: "كنا نتحدث عن أيام خديجة، فأخذتنا الذكريات والمناسبات الطيبة الصالحة والحديث ذو شجون"، وعندئذ لا نستغرب أن تغار أمنا عائشة وهي من هي، إنها الزوجة الوفية الواعية، فنطقت معبرة عما يختلج في صدرها قائلة: "أما زلت تذكر هذه العجوز، التي واراها التراب، وقد أبدلك الله خيرا منها".
إخوة الإيمان، تُرى ماذا يصنع وماذا يقول صاحب القلب الرحيم والخلق العظيم؟ وكيف يعالج المعلم الأعظم هذا الموقف المشحون بالغيرة؟ أيسكت أم يدافع؟ أينصرف أم يعلّم؟ أيهمل أم يربي؟ إنه يقف بكل ثقة وأدب وكمال، معلّما ومحاميا مدافعا لكافة الأجيال من بعده، ليقرر في جبين التاريخ مكانة امرأة مضى على وفاتها عشر حجج، وينطق عن الحق لا عن عاطفة وهوًى، في شأن سيدة من سيدات العالم بكمالها وإخلاصها وتضحياتها فيقول: "لا والله ما أبدلني الله خيرا منها"، إنه يقدم حيثيات هذا الوسام وهذا الشرف الخالد، "لقد آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء".
عن أبي هريرة قال: "أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء به إدام، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشّرها بيتًا في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب".
إخوة الإيمان، هذا هو النموذج للمرأة المسلمة الصابرة المجاهدة المربية، فواقعنا يجب أن يُسقط على الماضي الإسلامي الزاهر لا غير، فهو المثال والفيصل، فقد جعلت هذه الزوجة الملتزمة بحق والمتدينة بصدق؛ جعلت من بيت الرسول صلى الله عليه وسلم؛ واحة من الهدوء، وجنة من الراحة، وكمال المحبة والسكن والوداد –رغم وجود ستة أولاد مع أعباء القيام بواجباتهم-.